البداية الفعلية لممارسة التاريخ الثقافي، في الفكر العربي المعاصر، إنما كانت من فرح أنطون في سلسلة مقالاته عن ابن رشد في مجلة الجامعة التي نشرها في كتاب (فرح أنطون، إبن رشد وفلسفته) في العام 1904. قلنا إنها بداية فعلية لأننا لا نجد عملا فكريا كرسه أحد من الكتاب النهضويين قبله للحظة من لحظات الفكر العربي الكلاسيكي، ولا تحليلا شاملا لمنظومة مفكر من مفكري العهد الكلاسيكي. والأهم من ملاحظة تاريخ البدء في تدشين مجال التاريخ الثقافي أن عمل فرح أنطون على نصوص ابن رشد تميز بالسعة، والرصانة، والدقة في العرض، وكشف عن معرفة عميقة للنص الرشدي في وقت كان فيه ابن رشد، في الفكر العربي، في حكم المجهول لدى السواد الأعظم من المفكرين العرب، ولا يكاد يعرف عن نصوصه إلا القليل مما سلط المستشرقون الضوء عليه. ولا يضارع حقيقة رصانة معرفة فرح أنطون بنصوص ابن رشد، في الأهمية والقيمة، سوى ما اكتشفناه – في المناظرة بينه وبين محمد عبده – من سعة اطلاع الأخير على نصوص أرسطو والفلسفة الإسلامية، وابن رشد خاصة، ومن استعداد لديه – لا يقل عن نظيره لدى أنطون – للدفاع عن العقل والعقلانية في الإسلام.

        قد يجوز أن يقال إن قراءة فرح أنطون لفلسفة ابن رشد ظلت، في المعظم منها، صدى لقراءة “إرنست رينان” له في كتابه المؤسس عن ابن رشد والرشدية، وهذا مما ليس يقبل النكران لأن أنطون يعترف به في مواطن عدة من كتابه، إلا أن من الإجحاف أن نغبطه حقه في تكوين رؤية مستقلة – عن ابن رشد – عن تلك التي أفصح عنها “إرنست رينان”، الذي يظل عمله، رغم أي ملاحظات عليه، ورغم مرور مئة وستين عاما على تأليفه، الأشمل في كل ما أنجز عن فيلسوف قرطبة حتى الآن. فإلى أن أنطون لا يكتفي – مثل رينان – بِعد ابن رشد مجرد شارح يقظ لفلسفة أرسطو، وإنما يعزو إليه مهمة تعميق تلك الفلسفة وإغنائها بما أضافه إليها، فإنه يخالف رينان في ما ذهب إليه من إسقاط صفة الأصالة عن الفلسفة العربية، فيؤكد بأن تلك الأصالة مما لا يقبل النكران، واضعا ابن رشد في خط تطور العقلانية في الفكر الإسلامي بما هي لحظة التتويج الفكري لها، وناظرا إلى مساهمته – ومساهمة العرب – في الفكر الإنساني من حيث هي مساهمة المشارك في إنتاج المعرفة لا مساهمة ناقلها. وهو إذا كان يعتمد المعطيات التاريخية والعلمية، الغنية، التي ساقها إرنست رينان، عن كيفيات انتقال فلسفة ابن رشد، وترجموا نصوصه إلى العبرية، فإن إلحاحه على بيان ذلك الانتقال، وآثاره المباشرة وغير المباشرة في النهضة الفكرية الأوروبية، وفي تزويد الفكر العقلاني الحر في أوروبا بالموارد الضرورية لمواجهة موقف الكنيسة من العقل والاجتهاد…، يكفي دليلا على أنه موقف – مثل أستاذه رينان – عند ابن رشد الشارح فحسب، وإنما اعتنى بالوجه الآخر، النهضوي والعقلاني، لآخر فيلسوف عربي في العهد الكلاسيكي.

        لا يفوت قارئ كتاب فرح أنطون عن فلسفة ابن رشد أن يلاحظ أنه اطلع، في حينه، على كل ما كان متاحا من أعمال ابن رشد المنشودة، في ذلك الإبان، وعوض النقص باعتماد عرض رينان لما لم يكن منشورا منها بالعربية، وخاصة ما لم يكن متوفرا منها سوى في ترجماته اللاتينية. والأهم من الاطلاع على النصوص، دقة فهمها وسعة استيعابها عنده على نحو لافت جدا، ناهيك بما بذله من جهد في العودة إلى أرسطو وابن سينا وأبي حامد الغزالي للوقوف على العناصر المؤسسة لفلسفة ابن رشد، والعودة إلى علم الكلام ومدارسه لفهم جوهر الاعتراض الرشدي عليه.

نقد التراث (العرب والحداثة) الجزء الثالث . الدكتور عبد الإله بلقزيز. مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت  2014