لقد تبلور رمز الاستقرار الوطيد للسلالة الحاكمة في قرطبة – وكانت بلا شك حديثة العهد في الأندلس لكنها تمتلك الصيت الذي نعمت به بحكم أصولها – ممثلا ببناء المسجد العظيم الذي بات ̎ منارة̎  ساطعة في الفن الإسلامي، فقد كان أول بناء ديني رمزي أقيم خارج عاصمة مشرقية وهو ما عد بداية لتأسيس تقليد فني أندلسي. وقد بني هذا الصرح الذي رغب الأمير الأول (عبدالرحمن الداخل) بتشييده في عام واحد على أنقاض الرواق الذي خلفه دمار عام 169هـ/785م الذي طال المباني القائمة في الموضع المذكور للكاتدرائية القوطية القديمة وكان بلا شك أولى مصلى للمسلمين. وهذا يبرهن على مركزية تدابير الخزانة المالية التي كانت تسمح بجبي الضرائب الحكومية في قرطبة ودرجة التخطيط التي وضعها مهندسون معماريون مجهولون كانوا يعملون في خدمة الأمير ومدى قدرتهم المدهشة على التجديد في الوقت الذي كانوا فيه أوفياء لتقليد الأمويين في دمشق.

   وعلى الرغم من أن مسجد قرطبة الأموي الكبير قدموه إلى حد ما بفعل عمليات التوسعة اللاحقة التي تعرض لها إلا أنه خضع للتحليل مئات المرات بحكم كونه أول معلم يتمتع بتقليد جمالي ومعماري لم يفارقه الأمراء ولا الخلفاء اللاحقين للعاهل الأموي الأول، بل وقاموا بإثرائه أيضا. وعادة ما يقدم على أنه نقطة الانطلاق لما سيتم لاحقا وكان على ما يبدو بمثابة ̎ مشروع خاص بالأسرة الحاكمة̎  ما زال يدهش كلا من مؤرخي الفن والسياح. … ولعل ذكاء المعماريين كان يهدف إلى التوصل إلى بناء مسجد يتطابق تماما مع مقتضيات العبادة في الإسلام وفي نفس الوقت يشكل نموذجا معماريا جديدا يصعب من خلاله معرفة إلى أي حد تم استلهام التقاليد المعمارية المحلية كقنوات المياه الرومانية في إسبانيا.

   تأملات حول قرطبة في القرن الحادي والعشرين، بيير غيشار، ترجمة باهرة عبد اللطيف منشورات البيت العربي، قرطبة 2013.