لقد سمحت فترة حكم عبد الرحمن الداخل الطويلة (756-788) للعاهل الجديد أن يؤسس في قرطبة لأسرة حاكمة تقوم شرعيتها على تاريخ الخلافة في المشرق (كان أمويو قرطبة يقولون حتى من قبل سعيهم للخلافة بأنهم ̎ بنو خلائف̎ ). ولا ريب في أن استقرار الدولة كان لا يزال بعيد المنال وكان الجزء الأكبر من حكمه سيكرسه للحروب الداخلية الضروس ضد مؤيدي الحكومة السابقة والعناصر القبلية اليمنية الساخطة لإيصال ̎ عربي من الشمال̎  إلى سدة السلطة، وكذلك لقمع الانتفاضة الدينية البربرية في وسط شبه الجزيرة الأيبيرية. وفي هذه المرحلة التي كان على الأموي الأول أن يصارع خلالها بشراسة من أجل البقاء في السلطة…

   ولم تؤد تلك السلسلة المتلاحقة من الثورات المحلية سوى إلى تجذر السلطة ̎ عميقا̎  في قرطبة، هذه السلطة التي تأسست في المدينة من خلال آخر أحفاد الأسرة الأموية المتحدرة من قبيلة قريش، وبدعم الكثير من مواليها الذين شكلوا ̎ الحلقة الأولى̎  لبسط نفوذها في الأندلس. وسوف يشكلون على مدى فترة حكم الإمارة كلها ̎ النواة الصلبة̎  ل (الدولة)القرطبية. وعلى هذا الأساس شهدنا عملية إعادة تشكيل للعاصمة لا نعرف تفاصيلها على وجه الدقة، لكن ملامحها بصفة عامة لا تدع مجالا للشك في أن ̎ أرستقراطية الدولة̎  القوية هذه تتمتع بممتلكات أرستقراطية في المدينة وبشكل خاص في المناطق المحيطة بها، وقد استخدمت الضيعات الغنية ̎ كنقاط انطلاق̎   لتشكل الأحياء والأرباض التي راحت تتوسع سريعا. وخير مثال على ذلك هو ̎ بلاط المغيث̎  المولى الأموي الذي قاد في سنة 711هـ القوات التي استولت على قرطبة، وكان قد تسلم قطعة أرض كبيرة خارج الأسوار ما سمح بتطوير أحد الأرباض الرئيسة في العاصمة بجوار الجهة الغربية من قصر الأمير مباشرة. وكان بنو المغيث في نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع يمثلون واحدة من الأسر العريقة التي قدمت للدولة رجالا شغلوا أرفع المناصب فيها. وثمة جزء من كتاب ̎المقتبس̎  لابن حيان يتحدث فية عن عملية النمو والتوسع التي امتدت حول مقر إقامته، ويشرح كيف قام أحد أعضاء الأسرة الأموية في أعقاب الغزو، وكان ̎ رئيس̎  المغيث، بالهجرة في الوقت نفسه إلى الأندلس ليستقر قريبا من مقر الإقامة الموالي. وفي هذه الحالة يتبين لنا جليا كيف تشكل نوع من ̎  تجمع̎  العائلات القوية حوله وفقا لبعض آليات الموالاة والتبعية الاجتماعية لكننا بطبيعة الحال لا نملك معلومات كثيرة عن هؤلاء السكان.

    تأملات حول قرطبة في القرن الحادي والعشرين، بيير غيشار، ترجمة باهرة عبد اللطيف

   منشورات البيت العربي، قرطبة 2013.