أمدتنا النصوص على مختلف أنواعها بمعلومات غزيرة تفيد بحدوث تحركات وانتقالات اضطرارية قام بها بعض الأفراد أو بعض الأسر أو مجموعات بشرية بأكملها في سائر أقاليم الأندلس. ويكفي أن نسوق من بينها أربعة نماذج.
يتمثل النموذج الأول في اضطرار أسرة إلى الرحيل عن ̎ جنتها̎ أيام الفتنة من بياسة إلى سرقسطة. حيث توفي رب الأسرة واحد أبنائه. وبعد حوالي عشرين سنة من الاغتراب عاد ابنان من الأسرة إلى بياسة فوجدا استغلالية أبيهما قد استولى عليها أحد الأشخاص مما سبب إشكالا طرح على أنظار القاضي (أنظر تفاصيل القضية عند ابن سهل في كتاب الأحكام الكبرى). وفي نفس السياق لا بأس أن نورد مثالا آخر يتمثل في نزوح أسرة من تاكرنا، وهي من أعمال قرطبة، إلى شرق الأندلس، تحت ضغط أحداث الفتنة تاركة عدة استغلاليات كانت تملكها هناك. وحدث أن توفي رب الأسرة عقب الفتنة. وبعد مرور عدة سنين اتصل أحد أبنائه بابن أبي الخصال ملتمسا منه أن يتوسط له لدى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين لترد عليه – على الأقل – قطعتان من ممتلكات أبيه ظل محتفظا بعقدي ملكيتهما (وردت المعطيات في إحدى رسائل ابن أبي الخصال).
ويتمثل النموذج الثاني في حركة النزوح التي قامت بها بعض الأسر القرطبية إلى حواضر أخرى حسب الإفادات التي يقدمها لنا ابن شهيد. ويؤكد ابن بسام بدوره أن مبارك ومظفر ̎ … شرعا لأول سلطانهما في بناء بلنسية وتحصينها فارتفع الطمع عنها وأقبل الناس إليها من كل قطر بالأموال… واستوطنها جملة من جالية قرطبة القلقة الاستقرار فألقوا بها عصا التسيار…̎ (ابن بسام الذخيرة).
ويتمثل النموذج الثالث في نزوح سكان مجموعة قرى عن منازلهم واستغلالياتهم إلى حصن مجاور أقاموا به طيلة احتدام أحداث الفتنة. وبعد أن هدأت أوزارها انتقلوا للاستقرار بقرية مجاورة للحصن ردحا من الزمن قبل أن يعودوا إلى قراهم الأصلية (ابن رشد، الفتاوي، السفر الثاني).
ويتمثل النموذج الرابع في الهجرة الجماعية التي قام بها سكان البيرة على إثر خرابها سنة 400هـ إلى موضع آخر أقاموا به مركز استقرار جديد هو غرناطة (انظر الأمير عبد الله بن بلقين، كتاب التبيان). وكذلك الهجرة الجماعية التي قام بها أهل بجانة إلى ألمرية ابتداءا من سنة 402هـ (العذري، ترصيع الأخبار).
وانطلاقا من المعطيات السابقة يتضح أن التراجع الديموغرافي هم بشكل مباشر الاستغلاليات الواقعة داخل أسوار المدن والواقعة في ضواحي تلك المدن، إذ فقدت أعدادا كبيرة من الأيدي العاملة. لأن المدن كانت مسارح رئيسية للأحداث والوقائع العسكرية. وكذلك مسارح للكوارث والآفات الطبيعية. ومن المحتمل جدا أن تكون ظاهرة التراجع قد شملت القرى والأرياف أيضا. رغم أن المصادر المتوفرة لا تسلط على الأرياف ما يكفي من الضوء.
وإلى جانب التراجع العددي تميزت الوضعية الديموغرافية بحركية بالغة الأهمية كانت العناصر البشرية مضطرة للقيام بها تفاديا للموت أو التنكيل والملاحقة.
ومن ثم نخلص إلى القول بأن الموارد البشرية كانت محدودة على ما يبدو خلال القرن الخامس الهجري، وهذا ما تزكيه أيضا بعض الأسئلة التي وردت على ابن رشد بعضها من قبل متلقي الفنادق يشتكون تراجع الوافدين لسكناها، وبعضها من قبل الأرحي يشتكون تراجع أعداد مستعملي ̎ أرحائهم̎ (أنظر فتاوي ابن رشد، السفر الثالث). وهو معطى انعكس سلبا على العمل الزراعي والإنتاج. خلافا لما حصل في أقاليم شمال إسبانيا ومجموع أقاليم أوروبا المتوسطية حيث شهد القرن الحادي عشر نموا ديموغرافيا هائلا كانت له انعكاسات جد إيجابية على العمل الزراعي والإنتاج.

الزراعة في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري، يوسف نكادي، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت 2007