توصلنا إلى نتيجة أوضحت لنا أن أهل الأندلس بما في ذلك الجزر الشرقية كانوا يطمحون إلى الوحدة وإلى الدخول في حكم المرابطين. وموقف الرعية هذا من الفكرة ومن العمل كان واضحا في مساندته. وهذا ما توصلنا إليه ليس باستطلاع الرأي، لأن هذا أمر لا يمكننا القيام به وهو من قبيل المستحيل، بل توصلنا إليه عن طريق المعلومات التي نتوفر عليها والتي تمدنا بها المصادر. ولهذا أكثرنا من إيراد النصوص لكي نؤكد على ما نقول وعلى التفسير الذي قدمناه. وهذه النصوص هي التي قد تقوم مقام استطلاع الرأي.

وإدراك هذه النتيجة يفند ما ذهب إليه ابن خلدون من خلال ما قرره في مقدمته من ̎ أن الدول العامة يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب للغرابة، وأن الناس لم يألفوا ملكها ̎ (المقدمة، ج2). فقد تأكد لنا أن أغلبية حواضر المغرب والأندلس ساندت السلطة السياسية المرابطية وساعدتها على توحيد المجال المغربي والأندلسي. وهو أمر يكشف مساندة الرعية للحكام الجدد. ومن ثم فالأمر لا علاقة له بالنفور من السلطة الجديدة، ولكنه يتعلق بجوانب أخرى تتعلق بالمذهب والدعوة والوضعية العامة التي كان عليها المجتمع. زيادة على طبيعة السلطة الجديدة والوسائل التي اعتمدتها في حكم مجال سيادتها. وعبر ابن الخطيب عن موقف أهل الأندلس بما في ذلك أهل البادية والحاضرة من وصول المرابطين وتوحيدهم للبلاد بقوله: ̎ فسر الناس واستبشروا، وأمنت البادية وتمايل أهل الحاضرة إلى القوى̎.

إن المجتمع الأندلسي –بما في ذلك أهل الجزر الشرقية- ولموقفه من الوحدة السياسية كان يشعر أنه مجتمع واحد رغم التمزق السياسي الذي عانى منه زمن حكم الطوائف. وهذه النتيجة هي التي توصل إليها بطريقة أخرى امحمد ابن عبود في دراسته للعصبية؛ إذ أن مجتمع الأندلس كان يمثل ̎ مجتمعنا متماسكا وموحدا ثقافيا ولغويا (الاحاطة). بل ولخضوعه للمرابطين القادمين من المغرب كان يعتبر نفسه جزءا من الأمة الإسلامية بشكل عام وجزءا من مجتمع الغرب الإسلامي على وجه الخصوص.

أما شعور المجتمع بالتلاحم ووعيه به، فهذا أمر حاصل لدى المجتمعات الإسلامية في هذه الحقبة أو في غيرها. فالمجتمع الإسلامي ولعالمية الإسلام، لاشك أنه لم يشعر أبدا –رغم التمزق السياسي- بوجود حدود تفصله عن إخوانه. صحيح أنه كانت هناك خلافات محلية وجهوية وصراعات ولكن الدين والثقافة والعلم والتجارة كلها عوامل، كانت عبارة عن internet عملت على تحطيم الحدود بين الكيانات السياسية التي كانت توزع العالم الإسلامي. تحوي كتب الطبقات معلومات قيمة تدل على ذلك. فالأندلسي كان يذهب إلى المغرب وإلى إفريقية أو إلى الشام أو العراق أو مصر أو غيرها من مناطق المجال الجغرافي الإسلامي وربما يستقر في بعض المناطق نهائيا أو لمدة محدودة. لأنه كان بإمكانه الاستقرار أين ما شاء ما دام أنه وسط العالم الإسلامي. ولاشك أن هذه الفكرة نابعة مما تشبع به المجتمع من أنه يمثل أمة واحدة.

هذه العقلية هي التي جعلت الأندلسيين تحت حكم ملوك الطوائف –استنادا إلى ماسبق ذكره- لا يرون في التمزق السياسي عائقا في مسألة الاتصال فيما بينهم. فكان الأندلسيون ينتقلون من قرطبة إلى ألمرية أو إلى طليطلة، ومن مرسية إلى إشبيلية أو غيرها دون الأخذ بعين الاعتبار الحكام لأن المجال مجال إسلامي. وهو مجال كان موحدا بأمس غير بعيد. ونتيجة لذلك فالمجتمع الأندلسي كان موحدا رغم التمزق السياسي، ولم يكن يعترف بحدود ممالك الطوائف. ولايخامرنا شك في أن الحكام بدورهم كانوا يعون هذه المسألة. ولاشك أن حدود ممالكهم لم تكن تنفعهم إلا في فرض الضرائب أو عند مجالس الشعر والشراب للافتخار بسلطانهم.

موقف الرعية من السلطة السياسية في المغرب والأندلس على عهد المرابطين

أفريقيا الشرق 2014، الدكتور عز الدين جسوس