تعرضت دولة الخلافة الأموية، خلال مراحل تاريخها، لهزات عنيفة زلزلت كيانها وأدت إلى نهايتها. ويمكننا تحديد الأسباب التي أدت إلى هذا التهاوي السريع، على الرغم من أن المؤرخين المسلمين لا يكادون يشيرون إلى شيء منها، وهي على الشكل التالي:
– من الثابت أن خلافة بني أمية كانت قد انتهت فعليا قبل ذلك بكثير، ومنذ أن برز محمد بن أبي عامر وقبض بكلتا يديه على السلطة لاغيا الدور التقليدي للخلافة كمؤسسة دينية وسياسية.
– ارتباط الخلافة بفرد وليس بنظام، حيث جاء إعلانها مع الموقف القوي الذي بلغه عبد الرحمن الثالث الناصر بعد إعادة وحدة البلاد السياسية، وإثبات حضوره على مختلف الجبهات، ثم غابت مع غيابه حيث افتقرت إلى قائد من طرازه وعلى نمطه، قادر على الحسم في الوقت المناسب. والمعروف أن القائد المطلوب عادة يكون نمطا خاصا من الرجال يولد من رحم الأزمات والتحديات المصيرية، وهو وحده القادر على توجيه الأدوات في اتجاه الأهداف المركزية للدولة بعد امتلاكه لجميع القدرات الفاعلة في الرد على التحدي بتحد أكثر قوة. وعليه، فإن الأندلس، خلال المرحلة الأخيرة من حياة الخلافة، كانت تحتاج إلى رجال قادرين على التفاعل مع الأحداث من طراز عبد الرحمن الداخل، مؤسس الدولة، وعبد الرحمن الناصر، مؤسس الخلافة وباني مجدها السياسي والحضاري.
– فقدان التلاحم البشري في المجتمع الأندلسي الذي كان خليطا متنوع الهويات العرقية، ومتناقض الانتماءات سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. فقد تألف هذا المجتمع من أخلاط من الناس متنافرة، من عرب وبربر وصقالبة ومولدين ومستعربين ويهود، ولكل من هذه العناصر العرقية ميل للسكن في بقعة معينة. فالعنصر العربي غالب في قرطبة، ويكثر المولدون في إشبيلية وطليطلة، وغلب البربر في غرناطة وقرمونة ومالقة.
كان لهذا التوزع أثر كبير في دفع هذه التكتلات البشرية إلى النزوع إلى الاستقلال والخروج على السلطة المركزية، وما كان يقضي باستعمال القوة كوسيلة لتحقيق الوحدة السياسية، ومع ذلك لم تكن القوة وحدها تكفي للسيطرة على سائر البلاد.
– طبيعة الأندلسيين وتباين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. فقد كان هناك ما يشبه صراع الطبقات بسبب التفاوت في توزيع الثروة ومستوى المعيشة، بين طبقة أرستقراطية حاكمة ومسيطرة تتمتع بالغنى والثروة والنفوذ، وطبقة متوسطة اغتنت بفضل نشاطها في الزراعة والتجارة والصناعة، وطبقة من الحرفيين والعمال والعامة. فالعامل يكره صاحب العمل، والطبقة الوسطى تحسد طبقة الأغنياء والجميع يكرهون البربر والصقالبة، لكن هؤلاء جميعا، كانوا يخفون مشاعرهم ويعيشون في هدوء طالما كان الحاكم قويا، فلما ضعف الحكام بفعل التنازع على السلطة، لم يكن أمام هذه الطبقات إلا الانضمام لأي ثورة تقوم، وتتفق أهدافها مع مصالحها. من هنا يمكن القول بأن القوى الاجتماعية التي استند عليها الأمويون كانت مفككة، فانهارت عند أول صدمة، وانهار الأمويون معها، وكانت هذه الصدمة داخلية نبعت من تناقضات وعيوب النظام الذي انتهجه الأمويون، والعامريون من بعدهم، والتي لم تظهر للعيان إلا عندما تراخت قبضة الحكام، وجسمتها طبيعة الشعب الأندلسي وتكوينه العنصري بالإضافة إلى طبيعة البلاد الجغرافية. فعلى الرغم من أن المصاهرة والتجاوز، قربت بين تلك العناصر إلا أنه بقي من مظاهر التناقض ما يكفي لقيام الصراع فيما بينها إذا ما سنحت الفرصة. وساعدت الطبيعة الجغرافية وتنوع التضاريس، من أودية وجبال تزخر بالعديد من القلاع والحصون، على تأجيج الصراع من واقع الحماية التي تؤمنها للثائرين وتساعدهم على النهوض ضد الحكومة المركزية.
– انقسام القوى المسلحة الأندلسية وتصارع عناصرها على النفوذ والسلطان. لقد وضع الأمويون والعامريون بذور هذا لانقسام عندما استعانوا بالموالي والصقالبة والبربر وعينوهم في الجيش والإدارة، وأضحت هذه العناصر تترقب ضعف أو اضطراب الحالة العامة حتى تعمل لمصلحتها الخاصة وتصبح لها السيادة على البلاد. والواقع أن هذه العناصر لم تكن مخلصة لا للأمويين ولا للعامريين، فكثيرا ما تآمر الصقالبة ضد بني أمية، كما انتهزوا فرصة وفاة المنصور محمد بن أبي عامر وقالوا: ̎ هل كتب علينا أن نبقى في حجر آل أبي عامر الدهر الداهر؟̎ ، فتخلى الفتى الصقلبي واضح عن عبد الرحمن شنجول عندما ثار بنو أمية ضده، كما تخلى عنه البربر، الأمر الذي أدى إلى وقوعه في أيدي محمد المهدي الأموي، الذي قتله وقضى على الأسرة العامرية.

تاريخ المسلمين في الأندلس. الدكتور محمد سهيل طقوش ؛ مطبعة دار النفائس، بيروت 2008.