لقد شكلت طبيعة القوى الديناميكية العاملة على تحول المجتمع الأندلسي موضوع خلاف شديد، نظرا لتنوعات هذا المجتمع الإثنية وتعقيدها من جهة، ولطبيعته المتحركة والمتطورة من جهة أخرى. لقد تطرق عدد من أبرز المتخصصين في الدراسات الإسبانية والأندلسية بإسهاب لموضوع الصراع العرقي بصفته قوة منعشة داخل المجتمع الأندلسي ونتائجه وتأثيره على العلاقات الاجتماعية. كما يكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في إطار مفهوم العصبية عند ابن خلدون وهو موضوع أثار اهتماما كبيرا عند المثقفين المحدثين. لقد طبق المنهاج الإثني أو العرقي للمجتمع الأندلسي بصفة خاصة على عهد بني أمية، ولكن بعض الباحثين ادعوا أن هذا المنهاج نفسه يصلح تطبيقه على المجتمع الأندلسي عامة. إلا أن المجتمع الأندلسي كان قد تغير من عدة نواح خلال عهد دول الطوائف (الخامس هجري/الحادي عشر ميلادي)…
لقد كان مفهوم العصبية في الأصل يحدد القوة الرئيسية وراء المجتمعات القبلية ثم تطور فيما بعد ليصبح قوة اجتماعية في المدن. وتكمن أصالة ابن خلدون بصفته مفكرا في كونه طور هذا المفهوم ليعين به أبرز قوة اجتماعية وراء نهوض الدول والحضارات التاريخية ثم انهيارها. وهكذا فقد طور ابن خلدون هذا المفهوم داخل إطار شمولي يعتمد عليه في تحليل التاريخ الشمولي (Marco-history) إلا أن استخدامنا لهذا المفهوم أقل توسعا.
عندما نناقش العصبية والعلاقات الاجتماعية في عهد دول الطوائف قد ننظر إلى هذا المفهوم خارج إطاره الخلدوني وقد تغير دلالته الكلاسيكية الشائعة. بل إن انحرافنا عن فهم ابن خلدون لمفهوم العصبية وتطبيقه له يأتي على المستويين الزمني والمكاني.
إن عهد الطوائف شمل فترة زمنية مدتها أقل من قرن واحد. وجاء اختبارنا لفترة محددة نتيجة اتصافها بظاهرة خاصة بها ونعني نشأة وتطور دول الطوائف ثم انهيارها، ونتيجة لذلك فإن مشكل تصور العصبية في فترة زمنية تتصف إما بطابع مستقيم (liner) أو بطابع دائري (cyclic) لا يطرح في إطار مناقشتنا.
كما يختلف اعتبار العصبية في الأندلس من الخلفية التي اختارها ابن خلدون عندما شرع في عمله العظيم الذي تجلى هدفه في تقديم تاريخ العالم كما عرفه. ومع هذا، فإن تحديد دراستنا في زمن معين لا يشكل عرقلة حقيقية أمامنا، فإذا كان تطبيق العصبية على التاريخ الشمولي (marco history) أمرا واردا، فإن تطبيقها على المجتمعات في إطار مكاني محدد (micro-space) مثل القرى أو المدن أمر ممكن، بل يمتاز بكونه يمكننا من تحديد التفاصيل الصغيرة بدقة أكثر، وعلاوة على هذا، نتوفر على سابقة وهي أن موضوع الصراع العرقي في الأندلس خلال فترة دولة بني أمية قد أثار اهتمام عدد من الباحثين، كما يجب أن نشير إلى مسألة هامة وهي أن الأندلس كانت قد أصبحت منسجمة وملتحمة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ولهذا فإن اختيارنا لهذه المساحة الجغرافية بالذات خلال القرن الهجري الخامس، أمر لا يحتاج إلى أي تبرير.

جوانب من الواقع الأندلسي في القرن الخامس هجري، محمد بن عبود، منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، بتعاون مع جمعية تطاون – أسمير الطبعة الثانية. تطوان؛ 1999