من الأكيد أن منابع التربية الإسلامية بالمغرب والأندلس تعود لجذور مشرقية، وقد بدأت مع الفاتحين الذين كان لهم منهج خاص في التربية يقوم على أساس التركيز على الجوانب السلوكية العلمية وحفظ الضروري من القرآن وأركان الإيمان لتطبيقها، لكن هذا الرافد المشرقي تطور بعد القرن الثاني وتنوعت روافده؛ من مشرقية وإفريقية ثم أندلسية بالنسبة للمغرب الأقصى. وسبب هذا التطور يكمن في التحديات الفكرية التي واجهها جيل النهضة الفكرية بالمغرب والأندلس، حيث طبع المنهج التعليمي بغلبة الحفظ والرواية على حساب الفهم والدراية، سواء في العلوم أو الآداب. وقد شمل الحفظ كل شيء؛ من موطأ مالك وصحيح البخاري إلى كتب الفقه والتفسير حتى كتب الطب والنحو والأدب ككتاب )العقد الفريد( و)الأغاني( للأصفهاني.
كما هيمن أسلوب التقرير على الدرس الفكري والأدبي عموما، وخفت درجة الحجاج والمناظرة فيه بسبب غياب الخصومة القوية، وهو الأمر الذي نتج عن ضعف أو انعدام المذاهب العقدية والتشريعية المزاحمة، وبالتالي لم نرصد من بين مناهج التعليم المعتمدة توظيف أسلوب المناظرة باعتبارها بيداغوجيا للتدريس وطريقة لصقل قدرات المتعلمين؛ ومالت الكفة لصالح طريقة المذاكرة؛ التي يتم فيها اختبار قوة الحفظ والرواية وصحتها، دون حاجة إلى الاستدلال التفصيلي إلا في نطاق ضيق؛ أي عند التناظر داخل المذهب بترجيح فرع على فرع وقياس على قياس وسماع على سماع. باستثناء المدرسة المالكية بالمغربين الأوسط والأدنى؛ فهذه عرفت ازدهار بسبب خصوصية البيئة الفكرية القيروانية والتاهرتية، التي عرفت مزاحمة المالكية من قبل الفقه الحنفي والجعفري والإباضي ومن قبل المعتزلة والخوارج والرافضة.
وقد انعكس هذا المنهج كثيرا على المقررات الدراسية المعتمدة في هذه الفترة، فقد قل فيها الإبداع والدراية، وكثر فيها حشو المعلومات والإغراق في بحث الأجزاء والتفاصيل الكثيرة التي تثقل كاهل الطلبة؛ لهذا اضطرت الأجيال الموالية إلى اختصارها ربحا للوقت وتخفيفا على الطلبة؛ لأن قلة الضبط قلصت من قدرة الشيوخ على وضع مناهج دراسية تأصيلية تركز على مناهج الاستنباط بكيفية عملية، لهذا كان لزاما على الطلبة حفظ المدونات والمسائل والرسائل. ليثبتوا كفاءتهم رغم عدم قدرتهم على التصرف فيها. ومع استهلال القرن الرابع الهجري بدأ الاهتمام بالدراية على أنها أساس العلم، وأساس النبوغ؛ حيث نجد كتب التراجم تهتم برصد مدى استيعاب العالم لمروياته، وقدرته على التصرف فيها.
ولا يمكن اعتبار التركيز على الرواية في فترة التأسيس عيبا مطلقا؛ لأن الوسط الفكري في فترة النشأة والنهوض كان في حاجة إلى المصادر المؤسسة التي تمكنه من اللحاق بركب الثقافة العربية المشرقية، وتلبية حاجة مجتمعه فكريا وتشريعيا، وهو ما لايمكن تحقيقه إلا بالتركيز على الحفظ والرواية.
وبخصوص مناهج البحث يمكن القول إنها اتجهت نحو التفريع وترك التأصيل النصي والمنهجي؛ نقصد بالتأصيل النصي: قلة الآثار الحديثية في كتب الفروع والأصول المتداولة، وإنما هي مسائل أغلبها فتاوي فقهية مصنفة على شكل أسئلة وأجوبة قانونية من قبيل؛ “وسئل عن حكم كذا فقال كذا…” دون بيان لسبب الحرمة أو علته أو دليله، وحتى الأدلة والواردة من أحاديث وأصول وقواعد فقهية كانت ترسل إرسالا دون ذكر للأسانيد أو تدقيق في صحة الأحاديث ومع ذلك فهي قليلة؛ فالمدونة على سبيل المثال، لا يوجد فيها سوى خمسمائة وواحد وخمسين حديثا، وليس أربعة آلاف حديث كما نسب إلى القاضي عياض في بعض نسخ المدونة المطبوعة. والسبب في ذلك يعود إلى تأثر المغاربة بالمؤلفات الفقهية الأولى التي استقدمت إلى بلادهم وبصفة خاصة المدونة وأخواتها. أما التأصيل المنهجي فنقصد به غياب علم أصول الفقه عن الساحة الثقافية المغربية، في هذه الفترة غيابا تاما، وحتى قواعد مالك في الاستنباط كانت غائبة وقلما يتم الالتفات إليها، بل أكثر من ذلك اعتبر علم الأصول من العلوم المثيرة للريبة المخالفة للتحقيق العلمي.
معالم التفكير الإسلامي في المغرب والأندلس، إعداد يوسف بنلمهدي، تقديم محمد القاضي
إصدارات المجلة العربية، الرياض؛ المملكة العربية السعودية.