تكاد تجمع الدراسات التي اهتمت بأسباب بداية نشأة الاستشراق أو عرجت على ذلك، على أن مجمل هذه الأسباب يمكن أن تؤول إلى اضطرار الغرب النصراني في القرون الوسطى إلى معرفة الإسلام للإحاطة بعوامل قوته الدافعة بأبنائه إلى الانتشار في العالم المعروف أنذاك. وذلك بقصد الرد عليه، ومواجهته والحيلولة بينه وبين أن يستهوي نفوس النصارى أو إعجابهم؛ لتمكين النصرانية من تحقيق رغباتها في القوة والانتشار كذلك. ضمن هذا الاضطرار يمكن أن ندرج التقاء النصرانية بالإسلام في الأندلس، والحروب الصليبية، وحملات التبشير النصرانية، وتأثير الفكر الإسلامي الرشدي على الفكر النصراني الوسيط في أوربا. لقد استلزم لقاء الدينين المذكورين – من ضمن ما استلزمه – نشوب صراع على الأرض وعلى الإنسان بينهما، اتخذ أشكالا متعددة ومختلفة. ومن ضمنها شكل الحروب الدموية التي استسلمت بينهما، خاصة بعد استيلاء ألفونسو السادس Alfonso VI على طليطلة سنة 478/1085. لقد أدى هذا الحدث الجسيم في تاريخ الأندلس والاستشراق معا، إلى أن يسعى النصارى إلى تحقيق هدفين متكاملين. أولهما، تصحيح نصرانية المستعربين بالأندلس وتهذيبها من الفساد الذي اكتسبته من جراء التقائها بالإسلام. وثانهما، معرفة هذا الدين لتيسير إمكانية مواجهته ونفيه، وإقامة سد منيع بينه وبين إفساد النصرانية من جديد ولقد لبس هذا السعي لبوس التوبة والتفكير عن التعامل مع الإسلام ومهادنته، لكي تنطلق من دير كلوني Klony الذي احتضن هذا المشروع، حرب ضروس ضده وضد النصرانية بالأندلس الذي اتهم بإفسادها في نفس الوقت.

الإسلام في تصورات الإستشراق الإسباني من ريموندس لولوس إلى أسين بلاثيوس، الدكتور محمد عبد الواحد العسري، مكتبة الملك عبد العزيز العامة ، الرياض 2003