هناك روايتان متضاربتان عن الحملة البرتغالية إلى غرب الأندلس والمنطقة السفلى من الوادي الكبير، إحداهما عربية والثانية برتغالية، وقد أورد الأولى صاحب “البيان المغرب” وتقول إن ألفونسو هنريكيت، نقض الهدنة التي سبق ووقعها مع الموحدين، بحيث خرج في صيف 573هـ (1178م) ضد باجة التي حاصرها لعدة أيام وكان على وشك احتلالها، وقد قام خلال نفس الحملة باكتساح الأراضي الفلاحية الموجودة حولها والتي أتلف مزروعاتها. وبعد رفع الحصار، توجه صوب إشبيلية حيث وصل إلى غاية منطقة طريانة وهناك أضرم النيران في السفن الراسية بالوادي الكبير قبل أن ينسحب.
وفي الوقت الذي كان فيه قبالة إشبيلية، قام عامل باجة بالإغارة على ̎ قصر الملح̎ وذلك بهدف الانتقام من تعديات البرتغاليين،، لكن الموحدين فوجئوا بفيلق قادم من شنترين تمكن من هزم المسلمين، وبسبب ذلك عم الرعب سكان باجة الذين اضطروا لمغادرتها والالتجاء إلى مرتلة.
وبخلاف رواية البيان المغرب هذه، تؤكد الرواية البرتغالية التي وردت في ̎ تاريخ ألفونسو هنريكيت̎ ، أنه وبعد انقضاء خمس سنوات وهي مدة الهدنة التي وقعها البرتغاليون مع الموحدين عام 1174م، أرسل ألفونسو هنريكيت عام 1187م ابنه وولي عهده الأمير سانشو للإغارة على إشبيلية. وقد توقف هذا الأخير وهو في طريقه إليها، ب̎ يابرة̎ ، حيث انضمت إليه الحاميات الحدودية خصوصا حامية باجة التي حضرت برمتها تقريبا، ولم يتخلف بالمدينة للدفاع عنها في حالة الضرورة غير عدد قليل جدا من الجنود، وفي 18 أكتوبر، ترك سانشو يابرة وعبر جبل البشارات، وقبل وصوله إلى إشبيلية، خرجت ضده قوات موحدية حيث وقعت المواجهة بمنطقة الجرف، وقد تمكن سانشو وكان بمعيته 2400 من الفرسان و400 من المشاة من هزم الموحدين بعد قتال عنيف.
ويتحدث المصدر البرتغالي سالف الذكر بالتفصيل عن الطريقة التي وزع بها سانشو قواته التي قسمها إلى خمس فرق، وعن القواد الذين عينهم على رأس كل فرقة، وكذا عن مقاومة المسلمين والذين لم ينهزموا إلا بعد أن نجح القائد البرتغالي ̎ مين مونيت̎ في إسقاط العلم الموحدي أرضا، وهو ما أعقبه تشتت العدو وفراره. وأثناء تعقب البرتغاليين للفارين إلى منطقة طريانة، حاولت مجموعة من المنهزمين اجتياز القنطرة الموجودة على الوادي الكبير بهدف نجدة الملاحقين، غير أنهم وفي اللحظة التي وصلوها، وصلها كذلك الفارون والذين جاؤوها من الجهة الأخرى، وقد نجم عن ذلك ازدحام سرعان ما تحول إلى فوضى ثم إلى حالة رعب انتابت الجميع وكان من نتائجها مقتل العديدين، بحيث جرت الدماء في النهر بشكل رهيب، لدرجة أن مياهه أصبحت ولعدة أيام حمراء اللون.
بعد معركة إشبيلية هذه، أخذ سانشو طريق لبلة، في وقت علم فيه أن جيوشا موحدية تقوم بمحاصرة باجة التي لم يكن قد بقي بها تقريبا أية قوات يمكنها الدفاع عنها، لذا وللحيلولة دون سقوطها بيد المسلمين، أرسل إليها بشكل مستعجل حوالي 1400 فارس تم اختيارهم من بين أحسن العناصر التي تكون جيشه. بعد ذلك وصل هو مع بقية القوات حيث حقق انتصارا جديدا على الموحدين.
ونجد في المصدر البرتغالي الذي يقدم لنا هذه الرواية خلطا بصددها بين أحداث صحيحة وأخرى مغلوطة، وسبب ذلك أن المؤرخين البرتغاليين الذين اعتمدوه خلال القرن الخامس عشر الميلادي، أضافوا إليه أشياء وبتروا أخرى، وذلك بهدف جعل ما يتضمنه يتوافق مع ما يوجد في مصادر أخرى، وهكذا نجدهم يربطون بين حملة سانشو على ̎طريانة̎ وحصار المسلمين لباجة والتي لم يقم حسبهم البرتغاليون بإخلائها، كما نجدهم يمددون الفترة التي استغرقتها حملة سانشو بشكل مبالغ فيه؛ بحيث يجعلونها تستغرق كل صيف وخريف وشتاء 1178م، بل تمتد إلى السنة الموالية.
نخلص من خلال المقارنة بين الروايتين العربية والبرتغالية سالفتي الذكر، أن الأمير سانشو وبعدما اقتنع بعدم إمكانية الاستيلاء على باجة توجه نحو طريانة. وفي هذه الأثناء، وبعد هزيمة المسلمين في ̎ قصر الملح ̎ انسحبوا من باجة التي احتلها البرتغاليون من جديد، لكن الموحدين عادوا لمهاجمتها مرة أخرى. وفي نفس السنة (1178م) وإثر عودة سانشو من طريانة ولبلة، أرسل حامية عسكرية إلى باجة لتتولى الدفاع عنها. مما يؤكد أن حملته إلى طريانة لم تمتد إلى 1179م وأنه لم يكن موجودا في باجة في منتصف السنة المذكورة، وأنه في ربيع هذه السنة وفي الوقت الذي كان فيه القشتاليون يهددون بشكل كبير ملك ليون، أرسله والده ألفونسو هنريكيث على رأس جيش برتغالي ضد ̎ ثيوداد رودريغو̎، حيث منى بهزيمة نكراء بالمكان المعروف ب̎ أرقنال̎ ، قتل وأسر على إثرها القشتاليون العديد من رجاله.
التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية، أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة عبد الواحد أكمير، منشورات الزمن، الطبعة الأولى 2004.