يختلف الباحثون في أصل الأندلسيين، ويتعارضون أشد التعارض في اختيار الجنس البشري الذي يندرجون تحته. فبعضهم _ والشرقيون منهم بصفة خاصة _ يرون أن هؤلاء الأندلسيين عرب، قد رحلوا من مواطن العرب في المشرق، وعاشوا في الأندلس محافظين على عروبتهم، متمسكين بأنسابهم وسلاسل قبائلهم. والبعض الآخر، والمستشرقون الإسبان بصفة خاصة، يرون أن الأندلسيين ليسوا إلا إسبانا مسلمين، فهم ليسوا عربا وليسوا شرقيين، وإنما هم إسبان وغربيون، دينهم الإسلام ولغتهم العربية.
والسبب في تمسك الباحثين الشرقيين بعروبة الأندلسيين كالسبب في تمسك الباحثين الغربيين بإسبانية هؤلاء الأندلسيين، فكلا الفريقين يعتز بهم ويحاول أن يكسب حضارتهم إلى حضارته، ويضيف علمهم إلى علمه، ويعد أدبهم من تراث أدبه. وربما كانت وجهة نظر الباحثين الشرقيين أقدم وجهتي النظر، فالمسلمون منذ أقدم عصور الأندلس يعتبرون الأندلسيين عربا منهم، تراثهم تراثهم وأدبهم أدبهم وحضارتهم حضارتهم، وكل الذي كانوا يخصون به الأندلسيين أن يعدوهم أحيانا أهل المغرب، على اعتبار أن المغرب الإسلامي يشمل شمال إفريقيا والأندلس ويقابل المشرق الذي يشمل الحجاز والشام والعراق ومصر.
وفكرة الشرقيين قديما وحديثا في اعتبار الأندلسيين عربا، تقوم على هذا التقليد العربي الذي ينسب الولد إلى أبيه؛ فما دام آباء الأندلسيين كانوا عربا في الأصل، فالأبناء والأحفاد وكل الأجيال عرب كذلك، ينتمون كآبائهم إلى عدنان وقحطان.
أما فكرة الغربيين وخاصة الإسبان، في اعتبار الأندلسيين إسبانا مسلمين، فقد نشأت أخيرا وبدأ الاتجاه إليها في القرن التاسع عشر، حينما انحسرت موجة الكراهية التي كانت تغمر قلوب الأوروبيين – وخاصة الإسبان – ضد مسلمي الأندلس؛ فقد كانوا قديما يعتبرونهم غزاة وفاتحين ومحتلين، ومن هنا جاءت محاربتهم ومطاردتهم وإخراجهم.
ثم ظهر بعض الباحثين المنصفين، الذين أشادوا بفضل المسلمين على أوربا كلها لا على إسبانيا وحدها، وبينوا ما كان لهؤلاء المسلمين من فضل على العلم والأدب والحضارة الأوروبية جميعا؛ وانتقدوا لذلك تلك المعاملة القاسية التي لقيها هؤلاء المسلمون على أيدي المسيحيين. وأخذت الأبحاث تتابع في بيان ما لمسلمي إسبانيا من التأثير في الفلسفات والآداب والفنون الأوربية على وجه العموم.
وأخيرا تبني مستشرقو الإسبان وعلى رأسهم العلامة ̎ خوليان ريبيرا̎ فكرة الأصل الإسباني لمسلمي الأندلس. ويعتبر ̎ خوليان ريبرا̎ أول من حاول إثبات هذه النظرية والتدليل عليها من الوجهة العلمية؛ فهو يرى أن العرب الذين دخلوا شبه الجزيرة أيام الفتح إنما دخلوا – كما هو معروف – على هيئة جنود، ولم ينتقلوا إليها كأسر. وكان لابد لهؤلاء المحاربين من أن يكونوا البيوت وينجبوا النسل، وكانت الإسبانيات الجانب الآخر في تكوين هذه الأسر وإنجاب ذلك النسل. وقد أقبل على هذا الزواج المختلط أول أمير عربي ولى أمر الأندلس بعد الفتح، وهو عبد العزيز بن موسى بن نصير، كما أقبل عليه غيره من العرب حيث شرع لهم أمراؤهم سنة الزواج بالإسبانيات، حتى لقد ثبت أن جميع أمراء وخلفاء الأسرة الأموية في الأندلس كانوا أبناء لغير عربيات. وإذا كان الولد – في الحقيقة – ابنا لأبيه كما هو ابن لأمه، وإذا كانت خصائص الوراثة يأخذها الوليد عن أسرة أمه كما يأخذها عن أسرة أبيه، إذا كان ذلك أمكن القول بأن العرب الداخلين قد ذابوا في الجنس الإسباني حتى لم يعد للواحد منهم سوى قطرات قليلة من الدم العربي تمتزج بدمه الإسباني الذي يكاد يكون خالصا.
ويجري الأستاذ ̎ ريبرا̎ تجربة على الأسرة الأموية التي حكمت في الأندلس فيقول ما خلاصته: إن عبد الرحمن الداخل كان يحمل فقط نصف دم عربي، لأنه كان من أم غير عربية، وكذلك ابنه هاشم لا يحمل إلا ربع دم عربي لأن أمه كانت أيضا غير عربية. وهكذا تتناقص نسبة الدم العربي كلما مضينا من أمير إلى آخر، بينما تتضاعف نسبة الدم الأجنبي؛ فالحكم بن هشام ليس له من الدم العربي إلا الثمن، وعبد الرحمن الأوسط، ليس له إلا جزء من ستة عشر جزءا، والأمير محمد ليس له إلا جزء من اثنين وثلاثين جزءا، والمنذر ابن محمد ليس له إلا جزء من أربعة وستين جزءا، وكذلك أخوه عبد الله. ثم يأتي بعدهما محمد بن عبد الله (وهو لم يحكم) وفي دمائه جزء من مائة وثمانية وعشرين جزءا. ثم يأتي بعد ذلك عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر، وليس له من الدم العربي إلا جزء من مائتين وستة وخمسين جزءا. أما ابنه الحكم الثاني، فليس له تبعا لذلك إلا جزء من خامسمائة وإثنى عشر جزءا. وأخيرا يأتي هشام الثاني فلا يكون له من الدم العربي إلا جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءا.
ولسنا ننكر الدافع الكريم الذي حمل الأستاذ ̎ ريبرا̎ على محاولة إثبات أن الأندلسيين إسبان مسلمون؛ فهو يعتز بالأندلسيين ويحاول كسب الحضارة الأندلسية وضمها إلى التراث الإسباني، ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نذهب مع الأستاذ ̎ ريبرا̎ فيما ذهب إليه من تجريد الأندلسيين من عروبتهم، ولا نستطيع كذلك أن نسلم بتلك التجربة التي أجراها على الأسرة الأموية الأندلسية كدليل على ذوبان الدم العربي في الدم الإسباني؛ لأننا لا نتصور أولا أن كل الذين جاءوا إلى الأندلس من الرجال قد تركوا نساءهم في المشرق، ولأننا لا نتصور ثانيا أن الوفود على الأندلس كان دائما من نصيب الرجال دون النساء، ولأننا لا نتصور ثالثا أن كل عربي في الأندلس كان ينجب دائما من إسبانية جديدة وإن كان قد تصادف ذلك في الأسرة الأموية. فالمعقول أن توجد مولدات من أب عربي وأم إسبانية، وأن الزيجات الغالبة كانت تتم بعد الجيل الأول من هؤلاء المولدات، وبهذا احتفظ الأندلسيون من غير قصد بنصف الدم العربي على الأقل. وإلا فكيف يتصور بناء على المثال الذي ضربه الأستاذ ̎ ريبرا̎ أن كل زيجة من عربي وإسبانية تنتج رجالا فقط يضطرون إلى الزواج من جديد بإسبانيات خالصات؟ أو أن الزيجات المختلطة كانت تنتج بنات وبنين، لكن البنات لا يتزوجن بل يكون الزواج دائما من إسبانيات جديدات؟
لهذا كله نفضل الأخذ بأصل نظرية الأستاذ ̎ ريبرا̎ دون المضي معهما إلى آخر الشوط، ودون التسليم بما يريد لها من نتائج. بمعنى أننا نسلم أن العرب الداخلين قد كانوا يتزوجون من إسبانيات. وأن هذه الزيجات، أنتجت فعلا جيلا من الأندلسيين تمتزج فيه الدماء العربية بالدماء الإسبانية امتزاجا تتساوى فيه العناصر العربية والإسبانية تقريبا، ثم إن الأمر ظل على هذا غالبا، نظرا لكون هذا الجيل الأول من المولدين ستحدث بين بنيه وبناته زيجات يحافظ فيها على نسبة الدم العربي، ويظل الأمر على ذلك ما تتابعت الأجيال.
وإذن فالأندلسيون من حيث الأصل شعب فيه دماء عربية وفيه كذلك دماء إسبانية، وفيه تبعا لذلك كله موروثات من العرب الإسبان جميعا.
بقى أن نقرر أن هؤلاء الأندلسيين وإن كانوا مولدين جنسا ومختلطين دماء، فهم عرب في قوميهم، لأنهم عرب في عقيدتهم وثقافتهم ولغتهم وكل جوانب حضارتهم. فإذا كانت لهم بعض خصائص الإسبان في الشكل أو في الطبع، فإن لهم جل خصائص العرب فيما وراء الشكل والطبع. ومن هنا كان تراثهم تراثا عربيا يأخذ مكانه بيت تراث العرب على مر العصور. أما ما قد يكون لهم من خصائص نفسية أو عقلية تبعا لما ورثوه من أمهاتهم الإسبانيات، فشيء نحترمه في الدرس الأدبي ونعني به وبإبرازه ما أمكن. وليس معنى ذلك أننا نقول بإسبانيتهم كما يقول الأستاذ ̎ ريبرا̎ ومن جاراه من المستشرقين، وإن كنا نشكر لهم إعجابهم بأبناء عمنا الأندلسيين، ومحاولة إلصاقهم بهم وضم تراثهم إلى ما للإسبان من تراث.

الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، الدكتور أحمد هيكل، دار المعارف بمصر، الطبعة الرابعة 1968.