لا شك أن أغلب النصوص الفقهية المتصلة بالنقل والمواصلات بالأندلس تمثل صورا قريبة من الواقع المعيش، فهي منبثقة من الظروف التاريخية العامة التي أحاطت بإنتاجها. وقد أثارت هذه الفكرة الأخيرة نقاشات مستفيضة بين الدارسين للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وانقسموا إزاءها إلى مؤيدين لجدواها في كتابة فصول هذا التاريخ، ومعارضين داعين إلى استبعاد هذا الصنف من التأليف، بحكم أنه في الكثير من الحالات يكون افتراضيا ومتخيلا، ولا يمكن إسقاطه على الواقع إلا من باب التجاوز.
وللإشارة فإن الاختيار المنهجي الذي تتبناه هذه الأطروحة يميل إلى الاعتماد على المدونات الفقهية، متبنيا مقولة تكيف الفقه مع الواقع؛ فبصرف النظر عن الطابع الافتراضي لبعض أراء الفقهاء، وأحكامهم في شؤون النقل والمواصلات، وما تتداخل معها من معاملات،̎ فإنه يبقى سجينا للكيفية التي تتمثل بها الجماعة نفسها في إطار علاقاتها وتفاعلاتها المختلفة ̎ حسب الأستاذ محمد فتحة.
ومما يجدر بيانه، أن تواتر الإحالة على آراء أوائل أقطاب المالكية بالمشرق وإفريقية في كتب الأحكام والنوازل والوثائق الأندلسية؛ هو أمر لا ينفي تطور الفقه المالكي بالأندلس، الذي بدأ منذ أوائل القرن الثالث الهجري يجد طريقه إلى ̎ الاستقلال المحلي ̎ ، حسب تأكيد أحد مؤرخي المذهب المحدثين (ميكلوش موراني). كما اتفق جل الباحثين في حقله على أنه ̎ لم يكن جامدا، بل إنه حي يساير مظاهر تطور الحياة لدى المسلمين. وهو ما يتأكد من خلال التدقيق في متونه، إذ تبدو مضامينه ̎ أقرب إلى الواقع المعيش في تلك الفترة. وتتبين هذه الحقيقة بوضوح في تفرد بعض المصنفات الفقهية بتركيزها على جوانب معينة، مثل الملاحة النهرية بين ضفتي نهر قرطبة في ̎ نوازل̎ ابن سهل، و̎ رسالة ̎ ابن عبدون في الحسبة التي تحيل على الواقع اليومي لقطاع النقل النهري في إشبيلية بمختلف مظاهره؛ مثلما هو الأمر في ̎وثائق̎ ابن العطار التي تتواتر بها عقود الشركة والإجارة والقراض وغيرها من المعاملات، في ظل نظام التثمير التعاقدي الذي بلغ أرقى مستوياته خلال عصر الخلافة؛ و̎ أحكام̎ الشعبي المالقي التي تتضمن مسائل اعتراف الدواب المسروقة، وبيع المحبسة منها، خلال عصر الطوائف الذي كان يعج بالفوضى والغضب؛ و̎فتاوى ابن رشد الذي عاش بين عصري الطوائف والمرابطين، ويطبعها تداخل كبير بين نوازل العدوتين، بحكم توليه القضاء والفتوى بقرطبة.
وغني عن القول إن المذهب المالكي احتل مركز الصدارة في الأندلس خلال معظم عهود تاريخها الإسلامي، واعتمدت متونة أساسا شرعيا نظم مختلف أوجه الحياة العامة؛ وبحكم التقليد المتبع لدى مختلف المذهب، جرت العادة أن يحيل الفقيه المشاور أو المفتي على كبار أئمة المذهب، دون أن ينسلخ عن واقعه المعيش. ومن ثمة لا ينبغي تأويل الإحالات المنبثة في متون الفقه على رواد المالكية بمصر وإفريقية، على أنها اجترار لروايات متقدمة عن عصري الخلافة والطوائف فحسب، بل على العكس من ذلك، يمكن عدُّها إحدى خصائص التدوين الفقهي الإسلامي خلال العصر الوسيط. ولا غرو في التأكيد على أن تواتر الاسترشاد بآراء أئمة المذهب المالكي وفتاواهم، كان شيئا يعيه أصحاب السلطان والفقهاء على حد سواء.
النقل والمواصلات بالأندلس خلال عصري الخلافة والطوائف، عبد السلام الجعماطي. منشورات: دار الأمان – الرباط، 2010