حرص عبد الرحمن الثالث على عقد معاهدات للهدنة تنص على فتح الطرق في وجه المسلمين؛ ونذكر من ذلك ما أبرمه مع ملكة البشكنس ̎ طوطه بنت أشنير̎ من هدنة سنة 322هـ، تلتزم فيها ب̎ كف الأذى عن المسلمين، وفتح طرقهم̎ ؛ ضمن شروط أخرى لا تشذ عن منحى استتباب الأمن في المناطق الثغرية. وبقدر ما ألح خليفة الأندلس على انفساح المسالك مع باقى الممالك المجاورة لها، حرص بعض جيرانه من ̎ عظماء برشلونة̎ بدورهم على خطب وده وتوكيد شرط ̎ تأمين تجار أرضه على الاختلاف إلى الأندلس̎ ، حسب ما اقتضته معاهدة سافر لأجل إبرام عقدها، الكاتب حسداي بن إسحاق الإسرائيلي، مع شنيير بن غيفريد الإفرنجي، صاحب برشلونة وأعمالها. وهذا ما دعا الخليفة إلى إصدار أوامره حسب ابن حيان: “إلى عمال الجزائر الشرقية والمراسي الساحلية بأرض الأندلس بتأمين جميع المختلفين من بلد أنجه، وغيره ممن سولم من هذه الأمة، على دمائهم وأموالهم وكل ما تضمنته سفنهم يتصرفون في تجارتهم حيث شاؤوا، فوردت مراكبهم إلى الأندلس من هذا الوقت، وعظم الانتفاع بهم”.
وأتت في السياق ذاته حركة الناصر إلى الجزيرة الخضراء، فعلاوة على أنه استهدف قطع شرايين إمدادات عمر بن حفصون انطلاقا منها؛ اتخذ إجراءات تتصل بمراقبة الملاحة بمضيق جبل طارق، ف̎ نظر عند مقامه بالجزيرة في إحكام أمر البحر، وشد ضبطه على أهل العدوتين الحالتين عليه، فاستدعى جملة من المراكب البحرية من مالقة وإشبيلية وغيرهما من مدن الطاعة بركابها من أولي الاستقامة، فأقامها بباب الجزيرة وشحنها بصنوف الأسلحة والعدد، وأعد فيها النفط وآلات حرب البحر، وأدخل فيها ركابها من عرفاء البحريين … ̎ حسب ابن حيان. ورغم ما قد يبدو على هذا الاحتشاد من طابع عسكري، فإن الغرض المتوخي – تبعا لأوامر الناصر – كان هو ̎ التجول في السواحل كلها من حد الجزيرة الخضراء إلى حد تدمير، وقطع مرافق البحر كلها عن ابن حفصون وأصحابه، وألا تجري في البحر جارية، إلا لأهل الطاعة فقط̎ ، حسب صاحب المقتبس دائماً.
النقل والمواصلات بالأندلس خلال عصري الخلافة والطوائف، عبد السلام الجعماطي، منشورات الزمن، 2010.