نظمت ندوة  الحضارة الإسلامية في الأندلس و مظاهر التسامح تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بالرباط في 12-13-14 مارس 2002 ، وقد شارك فيها باحثون من عدد من البلدان العربية والغربية. وفيما يلي الرسالة التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى المشاركين في الندوة، والتي ألقاها مستشار جلالته والأمين العام لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات الدكتور عباس الجراري.

جلالة ملك المغرب

المملكة المغربية

الحمد لله   و الصلاة و السلام على مولانا رسول الله و آله و صحبه

أصحاب الفضيــلة الأســاتذة

حضرات السيدات و السادة

في مستهل هذه الرسالة التي نحن مبتهجون بتوجيهها إلى جمعكم الموقر يسعدنا أن نعرب لكم  عن كبير تقديرنا للجهود الحميدة التي يبذلها مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات, والتي تأتي للبرهنة  عليها  هذه الندوة الدولية التي تلتئمون  في رحابها  لتناول موضوع « الحضارة الإسلامية في الأندلس و مظاهرة التسامح ».

وهو موضوع يكتسي أهمية خاصة , إذ يدعو إلى البحث في مرحلة متميزة

ومتفردة من تاريخ أمتنا الحافل وما أنتج فيها من تراث غني خصيب لا يلبث دارسه و الواقف على حقائقه و العوامل الفاعلة فيه , أن يستخلص الرؤية التي ما أحوج الإنسانية إلى استحضارها, للنظر من خلالها إلى الواقع الذي يعيشه عالمنا المعاصر .

إنه واقع مرير تسوده أزمات وتحديات شتى سياسية وعسكرية واقتصادية

و اجتماعية و ثقافية , وتطبعه ظواهر تطرف المرجعيات  ورفض الاختلاف, والغلو في الاعتداد بالرأي والموقف. مما أفضى إلى مواجهات عنيفة و أحداث أليمة , ذهب ويذهب ضحيتها كل يوم عدد من الأبرياء.

وهي مآس تؤكد مدى التردي الذي آل إليه السلوك الفردي والجماعي, في غيبة القيم الإنسانية النبيلة التي حلت مكانها نزاعات عدمية عابثة , حولت المشهد الدولي إلى ساحة كره و عداء و غابة صراع واقتتال.

كما تؤكد مدى  الحاجة الملحة إلى مراجعة تعيد الأمور إلى نصابها بحكمة وتعقل, من أجل تخليق الحياة العامة, و جعل العلاقات بين الشعوب قائمة على المبادئ الوسطية والاعتدال و التعايش والتساكن, والتواصل والتحاور, والمجادلة بالتي هي أحسن, على أساس من التسامح الذي هو في ديننا الحنيف, مرتكز على تكريم الله عز و جل للإنسان, و على الإقرار بالاختلاف الذي شاءت إرادته تعالى أن تكون عليه طبيعة البشر والكون, والذي حث سبحانه على تجاوز سلبياته, والتعامل معه بالتعارف الرامي إلى التعاون من أجل تحقيق المصالح والمنافع المشتركة, وتبادل مشاعر المودة والإخاء, واعتبار التقوى مقياس التفاضل : «يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

أصحاب الفضيلة الأساتذة

حضرات السيدات و السادة

إن الدعوة إلى الرجوع إلى القيم و إعادة ترسيخها , تحتاج إلى عملية تربوية توظف لبلورتها النماذج الحضارية التي عرفها تاريخ الإنسانية عبر العصور, ومن خلال محطات كبرى يظهر فيها الدور الذي كان لهذه القيم في صنع التقدم والرقي والازدهار, و إشاعة العدل و الأمن و الاستقرار. و في طليعة تلكم النماذج , مثال الحضارة الإسلامية في الأندلس حيث تعايشت الأعراق والمعتقدات و الثقافات تحت مظلة الإسلام, بتسامحه الذي لم يلبث أن انعكس على النفوس و الأفكار, فهدأت و اطمأنت, متحررة في علاقتها مع ذاتها وغيرها من كل ألوان العقد و الاضطرابات, وملتزمة بأخلاق سلوكية وجهت التصرفات والمعاملات وحفزت باستمرار على التطوير والتجديد والابتكار وعلى الأخذ والعطاء, انطلاقا من هذه الأخلاق , بفكر متناسق و ذهنية متوازنة .

و قد انصهرت جميع هذه المظاهر في بوتقة الوحدة التي كان الأندلسيون حريصين عليها, بالرغم من إكراهات التاريخ, و التي أقاموها وفق منظومة تتسم بمراعاة التنوع والتعدد, والحفاظ على التوافق والتكامل, و تمزج باتزان و اتساق بين الإسلام والتراث الإنساني.

وهو ما أهلهم لإبداع نمط حضاري متميز بعطائه العلمي والفلسفي والصوفي والأدبي والفني والصناعي. و بما كان له من تأثير على مسيرة الحضارة العربية الإسلامية في مختلف الأقطار, ولاسيما في المغرب وبقية بلدان الشمال الإفريقي, دون إغفال الدور الكبير الذي كان له في النهضة الأوربية, مما تعتبر به الحضارة الأندلسية صلة وصل بين التراث الحضاري القديم, و ما أنتجته العهود الحديثة والمعاصرة؛ و كذا دون إغفال الإرث الغني الذي خلفه في شبه الجزيرة الايبرية، متمثلاً في جوانب كثير من الحياة الفكرية الاجتماعية وفي المواقع و الآثار القائمة شاهدا على الشأو الذي أدركته الحضارة الأندلسية.

إن المغرب الذي كان له إسهام كبير في بناء الأندلس و تشييد حضارتها وثقافتها, منذ الفتح وعلى مدى ثمانية قرون والذي كان أهم ملاذ آوى المهاجرين المسلمين و اليهود  الذين اضطروا بسبب الاضطهاد للخروج منها بعد الاسترداد, يعتز بأن يكون المحتضن لكثير من المظاهر الحضارية والثقافية الأندلسية المتجلية على الخصوص في الموسيقى وفنون العمارة والزخرفة والفسيفساء, وفي بعض جوانب الحياة الاجتماعية من أنواع الطبخ و اللباس. وإن هذه المظاهر وغيرها لتنهض دليلاً على أن المغرب يتصدر ورثة الأندلس, إذ عرف كيف يصون تراثها و يحافظ عليه  وينميه بالتداول والتطوير.

من هنا , أيها الأساتذة والسادة , تأتي أهمية إنشاء مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات, و اختيار الرباط ليكون فيها مقره, مع كل الدلالات التي يحملها هذا الاختيار.

وإننا لننتهز هاته المناسبة, لننوه بالمبادرة الرائدة التي كانت لنخبة من الجامعيين السعوديين والمغاربة, بمساندة صديقنا صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن فهد حفظه الله, لاقامة مركز ينهج في ممارساته و أنشطته العلمية أسلوب الحوار الحضاري, بتسامح وتفتح يتجاوزان الذات إلى الآخر, مهما يكن معه من اختلاف.

وقد وجدت هذه المبادرة مرجعيتها الأساسية, فيما يجمع المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية من وحدة الرؤى والمواقف, و توارد المقاربات من أجل السعي إلى تحقيق سلام دولي قائم على الحق والعدل، وملتزم بالقيم السامية التي حثت عليها أديان التوحيد, والتي على أصحاب هذه الأديان أن يكثفوا جهودهم لإشاعتها والإقناع بها, والتوسل بمنهجيتها في مواجهة قوى الشر والظلم و الطغيان,  و العمل بأمل و تفاؤل على بناء مستقبل أفضل تسود العالم فيه روح الفضائل والمكارم.

وتلكم مهمة جليلة يقع عبئ النهوض بها على جميع المثقفين ورجال الفكر, وخاصة أنتم المنتمين للمركز, الذين عليكم أن تجتهدوا في إبراز النموذج الحضاري الإسلامي في الأندلس, كمثال يحتدى, وتراث تعتز به الإنسانية جمعاء, وذلكم هو الهدف من تنظيم هذه الندوة .

و فقكم الله و سدد خطاكم .

و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

وحرر بالقصر الملكي بأكادير يوم الجمعة 23 ذو الحجة 1422 هجرية الموافق 8 مارس 2002 م.

محمد السادس ملك المغرب.

موضوع الندوة

إن التجربة الحضارية الأندلسية  من بين أكثر التجارب  الإنسانية تميزاً، إنها حضارة امتزجت  فيها الأعراق و تعايشت فيها الأديان واستوعبت ما وصل  إليها من العلوم  فتمثلته بطابعها الخاص.

إن هذا التمييز  الحضاري  الأندلسي  هو ما جعل الباحثين في الحضارة  الإنسانية وفي الثقافات المختلفة,  يهتمون بالأندلس فدرسوا مجتمعها وآدابها وعلومها المنقولة والمعقولة, راصدين  تجلياتها  في فنون  القول و في المعمار  و في الفلاحة وفي  الموسيقى…

بيد  أن  الأوضاع العالمية  المعاصرة, بما فيها من تيارات و أفكار ,  تجعل إعادة قراءة حضارة  الأندلس  و ثقافاتها,  و اقتراح تأويلات جديدة  ملائمة، ضرورية ووجيهة لإلقاء مزيد من الأضواء  على مظاهر  التسامح  فيها لتدحض  أقاويل المغرضين على الإسلام.  وقد تجلت تلك المظاهر في المجتمع  و في الفكر وفي الأدب وفي الفن.

كان المجتمع  الأندلسي  يتكون من السكان الأصليين المختلفين, و من بعض القبائل العربية, ومن بعض القبائل المغربية. و لم يخل المجتمع الأندلسي, و هذا حاله, من نزعات ونزاعات,  شأنه شأن المجتمعات الإنسانية  الشبيه به.  لكن انتهاء عهد ملوك الطوائف واشتداد  حروب الاسترداد  و عمليات  إعادة  تشكيل المجتمع،  أدت إلى اضمحلال العصبيات  فإلى تعزيز  وعي  الانتماء إلى فضاء واحد تتحقق  فيه مصالح الساكنة  و تتحدد  به آمالها.

كان ذلك  الفضاء مليئا  بالربط  و القلاع  و القصبات و الحصون  و القرى و المدن. استقرت  فيه الساكنة و امتزجت و صارت تعالج  ما تعالجه  الأمم  المتمدنة  العريقة،  فازدهرت أنواع الثقافة و أصناف  العلم و ضروب الفن, سواء أكانت  الثقافة  عالمة  أم شعبية, و سواء أكانت  أصناف  العلم  عقلية أو نقلية,  و سواء  أكانت ضروب الفن خاصية أم عمومية.

إن كل من يدرس  تلك العلوم  و المعارف  و الفنون بإمعان, يمكن  أن يستخلص  نتيجتين هامتين, إحداهما  هي الحرص  على  و حدة  الأمة و حدة  الدولة للقيام بمصالح  الأمة,  و ثانيتهما هي التسامح  الثقافي ومراعاة  المقاصد  إذا لم يقع جور  على الوحدة.

ولتسليط مزيد من الأضواء على تلك العلوم والمعارف والفنون اختار مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، كموضوع لندوته الدولية الأولى: “الحضارة الإسلامية في الأندلس و مظاهر التسامح” .

البرنامج العلمي

– الثلاثاء  12 مارس 2002.

  • -                   11.00 صباحاً: حفل الافتتاح.
  • -                   تلاوة الرسالة الملكية

-كلمة الدكتور خالد العنقري رئيس مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات.

الجلسة الأولى: التسامح الديني

رئيس الجلسة: الدكتور محمد تاج الدين الحسيني

(أستاذ بجامعة محمد الخامس ونائب رئيس المجلس التنفيذي

لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات)

15.00- 15.15: العرض التمهيدي: د. عباس الجراري.

15.15- 15.30: دة. ثيليا ديل مورال: التسامح والتعصب في احتفالات الاستيلاء على غرناطة.

15.30- 15.45: دة. ثريا ليهي: التسامح الديني والعلاقات الإنسانية من خلال استقراء النصوص الأدبية: شعرية ونثرية.

15.45- 16.00: د. محمود علي مكي: موقف الإسلام من الأقليات الدينية في الأندلس.

16.00- 16.15:  د. إبراهيم القادري بوتشيش: محطات في تاريخ التسامح بين الأديان والشعوب في الأندلس.

16.15- 16.30: د. أحمد شحلان: التسامح في الأندلس علامة من علامات حياة الناس ومعاملاتهم.

16.30- 16.45: استراحة.

16.45- 17.30: مناقشة.

– الأربعاء 13 مارس 2002

الجلسة الثانية: التواصل الحضاري

رئيس الجلسة: د. عثمان ياسين الرواف

(عضو مجلس الشورى السعودي

والأمين العام المساعد لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات)

9.00- 9.15: دة. نعيمة المني: حضارة الأندلس: ثوابت موحدة وقيم راسخة في الأدب الأندلسي.

9.15- 9.30: د. عبدالله المعطاني: المنظور الحضاري للتراث الأدبي في الأندلس.

9.30- 9.45: دة. إميليا كالبو: دور ألفونس العاشر الحكيم في نشر الثقافة العربية والمصطلحات العلمية.

9.45- 10.00 : د. حسن الوراكلي: فضاء التواصل الحضاري في آثار فقهاء الأندلس.

10.00- 10.15: د. خيراردو بينيا روساليس: جبل طارق بوابة الأندلس.

10.15- 10.30: استراحة.

الجلسة الثالثة: التفاعل الثقافي

رئيس الجلسة: د. محمد مفتاح

(أستاذ بجامعة محمد الخامس وعضو المجلس التنفيذي

لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات)

10.45- 11.00: د. الحسين بوزينب: المورسكيون في تجاذب مستمر بين الثقافتين العربية والإسبانية.

11.00- 11.15: دة. أري راشيل: التأثير الثقافي والفني الأندلسي في إسبانيا المسيحية خلال بدايات القرون الوسطى.

11.15- 11.30: د. سعيد بن الأحرش: المدونات القشتالية مصدر من مصادر المعلومات عن تفاعل التراث.

11.30- 12.30: مناقشة.

الجلسة الرابعة: المظاهر الفنية

رئيس الجلسة: الدكتور محمود علي مكي

(أستاذ بجامعة القاهرة)

15.00- 15.15: د. عبد العزيز بن عبد الجليل: الموسيقى الأندلسية مظهر من مظاهر التسامح على المستوى الفني.

15.15- 15.30: د. مالك بنونة: المدرسة المنهجية في الطرب والأدب و دور “ابن باجة الأعلم” فيها.

15.30- 15.45: د. يونس الشامي: الموسيقى الأندلسية: غناء جماعي وحد الأصوات ووحد معها القلوب.

15.45- 16.00: د. خوان ساوتو: قراءة في خط جدران المسجد الجامع بقرطبة.

16.00- 16.15: استراحة.

الجلسة الخامسة:  المظاهر الاجتماعية

رئيس الجلسة: د. عبد الله المعطاني

(أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز

وعضو المجلس التنفيذي لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات)

16.15- 16.30: د. ماريا آركاس: الإطار القانوني للعلاقات البشرية: العدالة والتسامح في منطقة الحدود الشرقية لمملكة بني الأحمر خلال القرن الخامس عشر.

16.30- 16.45: د. جمعة شيخة: المجتمع الأندلسي بين التسامح والتعصب من خلال المادة الشعرية.

11.15- 11.30: د. رافائيل بالينثيا: أثر الرحلة في حياة ساكنة إشبيلية العربية.

16.45- 17.00: د. نيكولاس طوسكانو: صورة الأندلس المورسكية لدى الإسبان من خلال أعمال ثلاثة من مؤرخي القرن السادس عشر.

17.00- 18.00: مناقشة.

– الخميس 14 مارس 2002.

الجلسة السادسة:  المظاهر العلمية

رئيس الجلسة: د. خوان دييس نيكولاس

(أستاذ بجامعة كومبلوتنسي بمدريد ونائب رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع)

9.00- 9.15: دة. مارابيياس أكيلار: علم التوقيت عند المسلمين والوسائل المستعملة في دراسته خلال القرون الوسطى.

9.15- 9.30: دة. مونيكا رويس: العلاقات بين المغرب والأندلس من خلال “كتاب القبلة”.

9.30-9.45: د. خوليو سامسو: العمل بتقويم زقوط في بلاد المغرب.

9.45- 10.00: دة. كاترين ميلير: أطباء بلا حدود: الأطباء المسلمون والمسيحيون واليهود في الأندلس.

10.00- 10.15: استراحة

الجلسة السابعة: المظاهر الفكرية

رئيس الجلسة: د. محمد برادة

(أستاذ بجامعة محمد الخامس)

10.15- 10.30: د. محمود إسماعيل: المدرسة الحزمية ودورها في تطوير الفكر التاريخي.

10.30- 10.45: دة. فاطمة طحطح: مقاصدية الشاطبي بين النظرية والتطبيق.

10.45- 11.00: د. محمد يعلى: ملامح من الحياة الفكرية الحضرية بالأندلس: مدينة إشبيلية في عهدها المغربي نموذجاً.

11.00- 12.00: مناقشة.

الجلسة الثامنة:  أعلام ورحالة أندلسيون

رئيس الجلسة: د. منير فرح

( أستاذ بجامعة آركانصا وعضو المجلس التنفيذي

لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات  )

15.00- 15.15: د. علي لغزيوي: أبو عامر السالمي وكتابه منهاج القلوب.

15.15- 15.30: د. محمد رضوان الداية: علي بن أحمد الحرالي: شخصيته وآثاره ومكانته الفكرية والثقافية.

15.30- 15.45: د. عبد الرحمن مديرس المديرس: علماء الأندلس في مكة في العصرين الأيوبي والمملوكي: دراسة في المصادر المكية.

15.45- 16.00: استراحة.

16.00- 16.15: د. عز الدين عمر موسى: الرحالة الأندلسيون إلى جزيرة العرب وأثرهم في الحضارة الأندلسية: القاضي أبو بكر بن العربي نموذجاً.

16.15- 16.30: د. قاسم الحسيني: رحلة القلصادي: حلقة من حلقات التواصل بين الأندلس والمشرق العربي.

16.30- 16.45:  د. محمد مفتاح الشفشاوني: حوار مع مستعرب إسباني من خلال ترجمته لعالم غرناطي.

16.45. 17.30: مناقشة.

18.00: الجلسة الختامية: كلمة الدكتور عباس الجراري الأمين العام لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات.

العرض التمهيدي للندوة

التســــامح الديــني

وأثــــره في حضـــارة الأنــدلس

بقلم الدكتور عباس الجراري

الأمين العام لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

يبدو ظاهرياً أن لفظ ” التسامح ” جاء على صيغة ” التفاعل ” التي تعني التبادل والتشارك في السماح · وهو مدلول غير مستبعد في حال وجود هذا السماح بين طرفين أو أكثر · ولعله المقصود عند الذين يستعملونه ، ولا سيما اليوم ، مسايرة للظروف التي يعيشها المسلمون ومن إليهم من المستضعفين ، في مواجهة غيرهم، أو بالأحرى في التعامل مع غيرهم من الذين يتصفون بالطغيان ، ويلجأون إلى ظلم من هم دونهم قوة، والعدوان عليهم · وحتى في غير هذه الحال، فإن صيغة ” التفاعل ” هنا قد تفيد تعامل المسلمين فيما بينهم من جهة ، ثم تعاملهم مع مخالفيهم في العقيدة من جهة أخرى، على نحو ما يثبت التاريخ .

إلا أن للمصطلح مدلولاً نراه أقرب إلى الاستعمال الأصلي له، ألا وهو ” السماح ” ، وكأنه مصدر يفيد معنى الفعل الأصلي الذي هو ” سمح ” · كما أن له مدلولاً آخر ناتجاً عن توجيه صيغة ” التفاعل ” لتفيد المطاوعة التلقائية في اتجاه ما يدعو إليه الدين من سماح.  وأصل لفظة ” التسامح ” من : سَمَح يَسْمَح وسَمُح يسمُح سماحاً وسماحة بمعنى جاد بسخاء · وسمح لفلان وأَسْمَح :  سهَّل · وأسْمح بمعنى : انقاد · وسامح بمعنى وافق على ما هو مطلوب · والمسامحة: المساهلة ، وتسامح الناس إذا تساهلوا . وعلى الرغم من أن لفظ التسامح لم يرد في القرآن الكريم الذي استعمل ألفاظا أخرى مؤدية للمعنى نفسه  ـ كما سيتضح بعد ـ فإنه ورد بمشتقاته في الحديث النبوي الشريف .

فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” اسْمَح يُسْمَحْ لك ” [1]وروي عن أبي بكر في حديث الشفاعة والرجل الذي يكون في النار ويُسأل عما فعـل من خـير ، فيقــول : ” لا ، غير أني كنت أسامح الناس في البيع والشراء” ، فيقول الله عز وجل :” اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي ”

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” يا نبي الله أي العمل أفضل ” ؟ قـــال : ” الإيمان بالله، وتصديقه ، وجهاد في سبيله ” · قال :” أريد أهون من ذلك يا رسول الله” قــال :” السماحة والصبر”، قال : ” أريد أهون من ذلك يا رسول الله” ، ” قال : ” لا تتهم الله تبارك وتعالى في شيء قضى لك به [2]· وروى  كذلك أنه صلى الله عليه وسلم قــال :  “دخل رجل الجنة بسماحته ، قاضياً ومتقاضياً ” [3] مهما يكن ، فإن الإسلام دين سمح ، يحث معتنقيه على أن يتعاملوا فيما بينهم ، وعلى أن يعاملوا غيرهم من ذوي الديانات والملل الأخرى ، بهذه السماحة، أي بدون تشدد ولا تضييق ولا غلو ولا عنف · وذلكم لأسباب كثيرة ، منها :

1 ـ أنه دين يكرم الإنسان من حيث هو ، ويجعله بل يريده أن يكون عزيزاً في ذاته، متعاً بصفات وسجايا تميزه عن سائر المخلوقات ، وتفضله على الكثير منها : ” ولقد كرمـنا بـني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا [4].

وبهذا التكريم أتاح الله عز وجل للفرد المسلم أن يسمو بنفسه لربط علاقة معه تعالى يتسنى له بها ـ انطلاقًا من شخصية مكتملة تقدر ما لها من حقوق وما عليها من واجبات ـ أن يعبده على النحو اللائق · كما أتاح له أن يعيش في مجتمع متلاحم ومتوازن ،  تتوافر فيه أسباب حياة جماعية يسودها التناسق والانسجام ، حتى حين يكون اختلاف عرقي أو عقدي داخل هذا المجتمع· وربما تـأتي في طلـيـعة هـذه الأسباب:  القدرة   على قبول هذا الاختلاف، ومعرفة كيفية الانسلاك في إطاره بعدل وأمن وسلام.

2 ـ أنه جعل هذا الاختلاف كامناً في الطبيعة البشرية والكونية عامة، إذ هو أمر   مقصود لدى الخالق الذي أراد أن يكون الناس مختلفين في أجناسهم وألوانهم وعقائدهم ، وكذا في المقومات التي تجعلهم قادرين علـى التمييز ، واخـتيـار مـا فـيه الخـير والصلاح ، وتجنب ما فيه الشر والفساد : ” ولو شـاء ربـك لجعل النـاس أمة واحدة ، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم” [5]، تأكيـداً لمشـيئـتـه تعـالـى وإرادته : ” ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ” [6].

3 ـ أنه بهذا منح الفرد حرية الاختيار ، حتى فيما يتعلق بالدين ، بعيداً عن أي إلزام أو إكراه: ” ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ، أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين ”  [7] ” لا إكراه في الدين ” [8]؛ طالما أن الإيمان في منظور الإسلام؛ لا يكون بالقهر والضغط والإلزام ، ولكن بالاقتناع الفكري والانقياد النفسي والذهني بهدوء واطمئنان ·

4 ـ ومن ثم فإنه ينهى عن محاربة غير المسلمين ، لمجرد أنهم لم يختاروا الإسلام ، بل ينهى عن ذلك ، ولا يامر به إلا في حال الدفاع عن النفس والعقيدة ورد الظلم والعدوان : ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين · إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم   فأولئك هم الظالمون ” [9].

5 ـ وبهذا، وحتى يُتجاوز الاختلاف وتتحقق الحياة الاجتماعية على النحو الصحيح، يدعو الإسلام إلى التواصل وتبادل المصالح والمنافع · وهو ما جمعه القرآن الكريم في ” التعارف” الذي أمر به الحق سبحانه وحث عليه : ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” [10].

وتتجلى سماحة الإسلام في مظاهر متعددة يمكن تجميعها في ثلاثة محاور، والنظر من خلالها إليه :

الأول : بين المسلمين، من خلال الدعوة إلى إقامة مجتـمع تسوده الأخـوة والتضامـن: ” إنما المؤمنون إخوة “[11] وبهذا يتحقق المجتمع المتراص الذي يكون كالجسد الواحد: “مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر   والحمى” [12]·

ويبلور هذا التوحدَ مظهرُ التكافل الذي يجعل الفرد في كفالة الجماعة، لا سيما في حال الفقر أو العجز أو أي ضعف ·

الثاني : مع غير المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي، أي الذين يكونون قلة، مما تكفي في الدلالة عليه أن الإسلام دعا إلى محاورتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وبمنهج قائم على الحكمة والموعظة :”ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن” [13] ، ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن” [14].

كما أباح لمعتنقيه أكل طعامهم والزواج منهم : ” اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المومنين والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم” [15].

وإن إطلاق اسم ” أهل الكتاب ” على غير المسلمين من معتنقي الديانات الأخرى لدليل على مدى التقدير الذي ينعمون به، إيمانا من المسلمين بما عند غيرهم من كتب ومن أنزلـت عليهم مـن الـرسل : “آمـن الرسول بما أنزل إلـيه من ربه والمومنـون، كل آمن باللـه وملائكـته وكـتـبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله “[16]، بل إنه تعالى يامر المسلمين بهذا الإيمان والتعبير عنه : ” قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النبيئون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون “[17] ·

ثم إن الإسلام يطلق على أصحاب هذه الكتب وغيرهم من المنتمين لملل ونحل أخرى مصطلح ” أهل الذمة ” الدال على ما لهم من عهد وضمان وأمان · وهي حقوق يتعهد بها المسلمون بحرص شديد عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل قوله : “من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة ” [18] ، و”من قذف ذمياً حدَّ له يوم القيامة بسياط من نار” [19]· وإن أهل الذمة لا يطالبون مقابل ضمان هذه الحقوق إلا بواجب واحد هو دفع الجزية التي هي ضريبة تعفيهم من واجبين ألزم الإسلام بهما من يستطيع من معتنقيه، هما : الزكاة والجهاد ·

الثالث : مـع غـير المـسلمين فـي مجـتمـعات أخـرى غـير إسـلامية، ويقوم على مبدأ   ” السِّـلم ” الذي هو أساس التعامل الذي يدعو إليه الإسلام، معتبراً أن غير السلم هو مما يغري به الشيطان ويدفع إليه :  “يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين “[20] .

وتتأكد هذه الدعوة حين تكون مقبولة من الطرف الآخر : “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله” [21] · ولا يخرج المسلمون من السلم إلى الحرب، إلا في حال الدفاع عن النفس والعقيدة، ولرد الظلم والعدوان ـ كما مر ـ  مما يجعل القتال جهاداً في سبيل الله · وإن أول آية شرعت القتال نزلت في هذا السياق، إذ أذن الله للمسلمين أن يقاتلوا، رداً على من يقاتلونهم : ” أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم لقـدير، الــذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ” [22]· وهذا ما يجعل السلام غير رديف للاستسلام والانهزام ، وكيف وهو من أسماء الله الحسنى، ومنه اشتق لفظ الإسلام، وإليه تنسب الجنة التي هي دار السلام، إضافة إلى أنه تحية المسلمين، وبه يخرجون من الصلاة .

حين نتأمل التسامح في مختلف هذه المحاور ونحاول النظر إليه، كما عاشه المسلمون في بلاد الأندلس، نجد أن هذه البلاد كانت مجالاً رحباً لممارسته، إن لم نقل مجالاً يفرض هذه الممارسة، على نحو يكاد لتفرده وتميزه أن يكون مثاليا .

والسبب راجع إلى أن البيئة الأندلسية كانت تتسم بالتنوع والتعدد، ليس فقط في طبيعة أرضها وما يكونها من سهول وجبال وسواحل، وما يعلوها من ألوان الطقس المختلفة، ولكن كذلك في طبيعتها البشرية التي تتشكل من أجناس وأعراق صهرها الإسلام في بوتقته، غير مفرق بين سكانها الأصليين، والوافدين إليها من عرب وبربر ؛ مع وجود فئات اجتماعية متباينة من حيث مستواها المعيشي، بدءاً من طبقات الأمراء والحكام ومن إليهم من ذوي الغنى الفاحش، إلى الفقراء والمعوزين ؛ مما ظهرت معه موجة من الترف المسرف السفيه المقبل على الدنيا بلهف شديد، وإلى جانبها موجة من الزهاد الصارمين في التعامل مع النفس، بتقشف يرونه أقرب إلى تحقيق التعبد الصحيح البعيد عن أي انحراف .

وفي غمرة هذا التشكل البشري، يظهر الاختلاف الديني الذي جعل المسلمين ـ وهم الأغلبية وأصحاب الدولة الحاكمون ـ يعايشون غيرهم من ذوي العقائد الأخرى، ولا سيما من النصارى واليهود وكذا المجوس .

وانطلاقا من منظور الإسلام للتسامح على النحو الذي عرضنا في أول البحث، فإننا نستطيع أن نثير جانبين لإبرازه وفق ما تحقق في الأندلس :

الأول : يهم المسلمين فيما بينهم .

ويبدو لأول وهلة في الجانب الاجتماعي المتمثل في التسامح الذي كان بين العرب          والبربر إبان الفتح وبعده، قبل استقرار الدولة وحتى عند حدوث هذا الاستقرار · وهو تسامح تجلى حتى بين المنتمين لقبائل عربية مختلفة أو فروع لهذه القبائل،ممن وفدوا        إلى الأندلس قادمين إليها من أقطار شرقية مختلفة ؛ وإن كان هذا التسامح لم يكن ليخفي عنصر المنافسة وما قد ينتج عنها من صراع ينكشف أحياناً ويتستر أخرى، نتيجة التنازع حول المصالح أو الامتيازات أو المواقع .

ومن مظاهر هذا التسامح محافظة السكان المحليين بعد إسلامهم على بعض العادات        والتقاليد التي كانوا يمارسونها قبل اعتناق الإسلام ؛ مما دفع علماء مسلمين إلى      التأليف في موضوع البدع كمحمد بن وضاح في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وكذا إلى كتابة فتاوى حول هذه البدع .

وبالإضافة إلى هذا الجانب الاجتماعي وما تم فيه من اندماج وانصهار، يبدو الجانب المذهبي لافتا للانتباه · ويظهر في وجود فرق ومذاهب على مستوى العقيدة أو السياسة أو الفقه، على نحو ما كتب ابن حزم في (الفصل في الملل والأهواء والنحل)

وهي ظاهرة لم تتعارض مع الحضور الرسمي الكبير الذي كان لمذهب مالك، بعد أن كان طاغياً مذهب الأوزاعي إمام أهل الشام، بحكم أموية الأندلس في نشأة الدولة الإسلامية بها؛ علماً بأن مذاهب أخرى كانت تجد صدى، وأهمها المذهب الشافعي والظاهري .

ثم إن الأندلسيين  ـ في نطاق مالكيتهم ـ كانت لهم اجتهادات قام بها أتباع مالك وتلاميذه، أمثال يحيى بن يحيى الليثي وابن القاسم ·

وقد بلغ الاختلاف المذهبي حداً اتهم البعض به في عقيدته كابن الإفليلي الذي كان ذا اهتمام كبير بالفلسفة، ومحمد بن مسرة الذي كان ذا نزعة اعتزالية، والذي اشتهرت      في قرطبة مدرسته الفلسفية الدينية بين القرنين الثالث والرابع الهجريين زمن الحكم المستنصر، والتي اقتبست من المبادئ الغنوصية والأفكار الأفلوطينية، ومزجتها بآراء المعتزلة والباطنية .

ومع ذلك، فإنهم لم يتعرضوا لمكروه، طالما أنهم لم تظهر عليهم أطماع سياسية، على نحو ما حدث لأبى الخير الذي قتل بسبب تآمره على الحكم الثاني، وكان معروفاً عنه أنه منتم للتشيع .

وقد كان لهذا التسامح أثره في التصوف كذلك، إذ تميز في الأندلس بسمات جعلت بعض ملتزمي التصوف السني ينتقدونه · ويذكر من بين الذين ظهروا باتجاه جديد في هذا المجال أبو العباس ابن العريف الصنهاجي، وأبو بكر الميورقي، وابن برّجان، وابن    قسي في منتصف القرن السادس الهجري، قبل أن يذكر محي الدين ابن عربي في أوائل القرن السابع· وكان ابن العريف قد ظهر في المرية بمذهب صوفي يعتمد الزهد في كل شيء، بما في ذلك القول بالكرامات وما إليها من منن لا تكون إلا للعوام وليس للخواص ؛ في حين عرف ابن عربي المرسي بتصوفه وفلسفتة الإشراقية القائلة بوحدة الوجود التي تعني في تأثر بنظرية الفيض الأفلوطينية، أن العالم ليس شيئا غير الذات الإلهية، وأن الله هو عين الموجودات، ممّا دعاه إلى القول بوحدة الأديان التي هي الصورة التطبيقية لنظرية وحدة الوجود · وتنطلق هذه الفلسلفة من الشك في قدرة العقل الإنساني على إدراك الحقائق المطلقة .

وقد بلغ هذا التسامح مداه في ظهور شعر المعارضة للدولة، وفق ما نجد عند أبي الحسن ابن الجد، وعبد الجبار صاحب الارجوزة ، وابن سارة ، وأبي بكر ابن الروح الإشبيلي ، وأبي بكر اليكي ·

من ذلك قول عبد الجبار عن أمراء الطوائف :

فأهــمـلــوا البـــلاد والـعــبـادا

وعطـلـوا الثـغـور والجهـادا

واشتــغلـــت أذهانهـم بالخـمـر

وبالأغـــاني وسـماع الـزمــر

وزادهــم في الجهـل والـخـذلان

أن ظاهـروا عـصـابـة الصلــبـان

فاستـولـت الــروم علـى البـلاد

واسـتعبـدوا حــرائــر العـبــاد[23]

ومنه قول اليكي يهجو المرابطين :

إن المـرابـط لا يكـون مرابــطاً

حـتى تــراه إذا تـراه جـبـانــا

تجـلـو الرعـية من مخافـة جـوره

لـجـلائـه إذ يلـتقي الأقــرانــا

إن تـظـلمونا ننتصـف لنفوســنا

يـجني الرجــال فتــأخذ النسوانــا[24]

وقد تصدى مثل هؤلاء الشعراء لطبقة الفقهاء، كابن البتي أو ابن البني، وابن خفاجة، على نحو ما يقول الأول :

أهل الـريـاء لبستم نامـوسكم

كالذئب أدلج في الظلام العاتم

فملكتم الدنـيا بمذهب مـالك

وقسمتم الأموال بابن القاسم

وركبتم شهب الدواب بأشهب

وبأصبغ صبغت لكم في العـالم[25]

ويقول الثاني :

درسوا العلوم ليملكوا بجـدالهم

فيها صدور مراتب ومجالس

الثاني : بين المسلمين وغيرهم ( من النصارى واليهود )

وقد بدأ هذا التسامح على المستوى الاجتماعي ، بما وقع من زواج مختلط كان له أكبر

الأثر في صهر المجتمع في بوتقة اندماجية ، لافرق فيها بين الذين أسلموا من السكان المحليين ، أومن ظلوا على عقيدتهم ، بكل ما يترتب عن هذا التداخل من تواصل عبر الأعراف والعادات والتقاليد ، وقبل ذلك عبر اللغة والثقافة عامة.

وتجدر الإشارة إلى أن عدداً هائلاً من هؤلاء السكان الذين كانوا على دين اليهودية أو النصرانية أو المجوسية قد أسلموا تدريجياً أو بتحول سريع ومفاجئ نتيجة الاقتناع ، أو بسبب ضعف بنيات هذه الديانات وما كان يرتبط بها من سلوك غير لائق · وكانوا ينعمون في جميع الأحوال بجو من التسامح من قبل المسلمين · وكان هذا التسامح يتجلى مع الذين لم يسلموا ما لم تصدر عنهم مواقف تزعج الدولة الإسلامية أو تحاول خرق التشريعات الإسلامية السائدة ، وما داموا محترمين للعهود والمواثيق وما تنص عليه من التزامات متبادلة ·على أن هذا التواصل لم يكن يخلو من بعض الاضطراب الذي يشوش على الاستقرار ، أعني استقرار المجتمع ، ولكن من غير أن ينعكس سلباً على الحياة عامة، سياسية واقتصادية وفكرية واجتماعية ؛  مما أنتج حضارة متميزة بعطائها الذي أغنى البلاد في العهد الإسلامي ، وظل يغنيها حتى بعد .

وفي هذا الإطار الاجتماعي ، ظهر التغزل بالنصرانيات ، على نحو ما فعل أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحداد في أكثر من قصيدة · فهو في الإعراب عن حبه لمحبوبته النصرانية يقول :

وفي شرعة التثليث فرد محاسن

تنزل شرع الحب من طرفه وحيا

وأذهل نفسي في هوى عيسوية

بها ضلت النفس الحنيفية الهديا

فمن لجفوني بالتمـاح نويـرة

فتاة هي المردى لنفسـي والمحـيـا

سبتني على عهد من السلم بيننا

ولو أنها حرب لكانت هي السبيـا[26]

وفي اضطراره إلى دخول الكنيسة كي يلقاها ، يقول :

عساك بحـق عـيـساك              مريحة قلـبي الـشاكي

فإن الحـسـن قـد ولا                ك إحـيـائي وإهلاكي

وأولعـنـي بصلبــان                ورهبان ونـســـاك

ولم آت الكنائس عــن             هـوى فـيهن لـولاك[27]

بل هو يحضر مناسبات دينها وأعياده ، على حد ما فعل يوم الفصح :

أهيم فـيها والهـوى ضلــة         بين صوامـيع وبيـعات

أفصح وحـدي يوم فـصح لهم     بين الأريطي والـدويحات

وقد أتـوا منـه إلى مـوعـد         واجـتمعوا فـيه لميقات

لمـوقف بـين يـدي أسـقف         ممسك مصباح ومنساة [28]

ثم هو لا يجد حلاً غير اللجوء إلى القس كي يعينه ويغيثه بعد أن يصرح له بحبها :

أحقًا وقد صرحت مـا بي أنه

تبسم كاللاهي بنا المتـعـبث

وأقسـم بالإنجيل إني لمائـن

وناهيك دمعي من محق محــنث

ولابد من قصي على القس قصتي

عـساه مغيث المدنف  المتغـوث

فلم يأتهم عيسى بدين قــساوة

فيقسو على مضنى ويلهو بمكرث [29]

ومن الشعراء الغزلين من هام بغلام يهودي ، على حد قول أبي الحسن ابن الزقاق الذي كان يجالس هذا المحبوب يوم السبت الذي غدا مفضلاً عنده :

وحبب يوم السـبت عـندي أنني

يُنادِمُنِي فيه الذي أنا أحبـبت

ومن أعجب الأشياء أني مسلم

حنيف ولكن خير أيامي السبـت  [30]

وإن من أبرز مظاهر التسامح مع غير المسلمين ما كانوا يتمتعون به من حرية دينية تتيح لهم أن يؤدوا عباداتهم وطقوسهم في أماكنها ، من بيع وكنائس وأديرة ظـلـت قـائـمـة عـلى ما كانت عليه ، محافظة ليس فقط على أبنيتها وما فيها ، ولكن كذلك على قيميها وما ينهضون به من تدريس لديانتهم ، على ما بين طوائفهم من اختلاف.

وفي سياق هذا التسامح ، يشار إلى غير المسلمين ولاسيما اليهود الذين كانت تسند إليهم مناصب عالية ووظائف سامية في الدولة، كالدبلوماسية وتسيير الإدارة والاقتصاد والمال وجمع الضرائب وحتى في الجيش ، كما حدث في العهد المرابطي ، كحسداي بن شبرط الطبيب الذي تحمل مسؤوليات شتى في ظل الدولة الإسلامية، ولاسيما في بلاط عبد الرحمان الثالث ·

ومثله الحاخام اسماعيل بن النغريلة ( واسمه الأصلي صمويل ناغد ) في ظل الدولة الزيرية ، وفي بلاط حبوس الزيري بغرناطة · فقد قربه حبوس الذي جعله في غرناطة مسؤولاً عن جباية الضرائب في إمارته ، كما قربه ابنه بعده ، باديس بن حبوس الذي عينه وزيرًا مكلفاً حتى بشؤون الحرب .

وقد حقق اليهود في عهده مصالح كثيرة ،ووصلوا إلى مناصب رفيعة ، على حد ما أحرز اسحاق بن يعقوب الذي تولى شؤون الشرطة في غرناطة .

وكان لإسماعيل هذا مجلس شعراء من المسلمين واليهود يمدحونه · ومن الذين مدحوه أبو أحمد عبد العزيز بن خيرة المعروف بابن المنفتل · وله فيه قصائد كثيرة ، منها هاته التي يقول فيها :

قرن الفضائل والفواضـل                فشـأى الأواخر والأوائل

سقطوا بـرفعة فضـلـه          كالشمس في شرف المناقل

هذا ابـن يوسـف الذي          ورث الفضائل عن فواضل

شـرف الزمان بمـثـله          شرف الأسـنـة بالعوامل

من لـم يلذ بجـنابــه             لم يأمن الدهـر المخاتـل [31]

ومنها كذلك هاته التي يقول فيها :

وما اكتحلت عيني بمثل ابن يـــوسف

ولست أحاشي الشمس من ذا ولا البدرا

ويقول معلنا يهوديته :

ومـن يـك موسى منهم ثــم صـنوه

فقل فيهم ما شئت لن تبـلــغ العـشرا

فكم لهــم في الأرض من آية تـــرى

وكم لهم في النــاس من نعـمة تــترى

أجامع شمـــل المجــد وهـو مشـتـت

ومطلق شخص الجود وهو من الأســرى

فضلت كرام النـاس شـرقاً ومـغـربـا

كـما فـضـل العقـيان بالخطر القطرا

ولو فـرقـوا بـين الضلالة والهـــدى

لما قـبلـوا إلا أنـاملك الـعــشرا

وقد فزت بالدنيـا ونـلت بك المـنى

وأطمع أن ألقى بك الـفوز في الأخـرى

أديــن بديــن السبـت جهرًا لديكم

وإن كنـت في قـومي أديـن به سـرا [32]

ومــن مــادحــيه كـذلك الأخـفـش بن ميمون القنداقي المعروف بابن الفراء،وفيه قال متعلقاً به:

أهوى الذي تيمـني حبه            ومـا درى أنـي أهــواه

أكــاد أفنى من غرام به            لاسيما ساعة ألقــــاه

والله ما يذكرني ساعـة            ولا وحـق الله أنســـاه[33]

وقال كذلك :

إذا مدحت فـلا تمدح سـواه ففـي

يمـناه بحـر محيط للعفاة زخـــر

يصغي إلى المدح من جــود ومن أدب

كمشتكي الجدب قدأصغى لصوت مطر [34]

وقد أفضى هذا الوضع الامتيازي إلى ضيق المسلمين بتصرفات اليهود، وفق ما عبر عنه شعراء كثيرون .

يقول أبو الحسن أو أبو الحسين يوسف بن الجد، معتبرًا تحكم اليهود إيذاناً بقيام الساعة :

تحكمت اليهود على الفروج                وتاهت بالبغال وبالســروج

وقامت دولة الأنذال فيـنا                    وصار الحكم فيها للـعلـوج

فقل للأعور الدجال هـذا           زمانك إن عزمت علىالخروج[35]

ويقول أبو حفص عمر الزكرمي، مستنكراً انقلاب الأوضاع، وكان قد طولب بمكس كان يتولاه يهودي :

يا أهل دانية لقـد خالفتـم           حكم الشـريعة والمروءة فـينا

ما لي أراكم تامرون بضدّمـا               أمـرت، ترى نسخ الإلاه الدينا

كنا نطالب لليهـود بجـزية                  وأرى الـيهـود بجـزية طلبونا

ما إن سمعنا مالكاً أفـتى بــذا     لا  لا  ولا من بعده سحنونـا

هـذا ولـو أن الأئمة كلـهـم                            حاشاهـم بالمكس قـد أمرونا

ما واجب مثلي يمكـس عـدلـه              لوكـان يعـدل وزنه قاعـونا

ولقد رجونا أن ننال بمدحـكـم              رفدا يكون على الزمان معيـنا

فالآن نقنع بالسـلامة مـنكـم                 لا تأخذوا مـنا ولا تعـطونا[36]

وقد بلغ طغيان الوزير ابن النغريلة مداه بالاستهزاء بالمسلمين، وأقسم أن ينظم القرآن في موشحات يغنى بها، على حد قوله مضمناً الآية 91 من سورة آل عمران :

نقشـت في الـخط سطـراً                              مـن كتـاب اللـه موزون

لـن تنـالـوا البر حتـى                                 تـنـفـقوا مـما تحـبون[37]

فكان نتيجة لهذا الطغيان أن قتلته صنهاجة، وكان أبو إسحاق الالبيري قد خاطبها بقصيدة يغري فيها باليهود ؛ وفيها يقول :

ألا قـل لصنهاجة أجمعين                                      بدور الزمـان وأسـد العرين

مقـالة ذي مقة مشـفق                                 صحيح النصيحة دنيا وديـن

لقـد زل سـيدكم زلة                                   أقـر بهـا أعين الشامـتـين

تخـير كاتـبه كافــراً                                   ولو شـاء كان مـن المومنين

فعـز اليهود بـه وانتموا                               وسادوا وتاهوا على المسلمين

وهي قصيدة طويلة استعرض فيها مظاهر استبداد اليهود بغرناطة، وما كان لهم فيها من سلوك :

لقد ضجت الأرض من فسقهم              وكــادت تمـيد بنـا أجمعين

تأمـل بعـينـيـك أقـطارها          تجـدهم كـلاباً بها خـاسئين

  • ···

وإنــي حللت بغرناطــة                     فكنت أراهـم بها عابثــين

وقـد قـسموها وأعـمـالها           فمـنهم بكل مكـان لـعين

وهم يقـبضون جـبـايتهـا           وهم يخصمون وهم يقضمون

وهم يلبسون رفـيـع الكسا                            وأنتـم لأوضـعها لابـسون

وهم أمـناكم عـلى سـركم                   وكيـف يكـون خؤون أمـين

إلى أن يقول :

ورخــم قـردهـم داره                        وأجرى إليها نمير العـيــون

فصـارت حوائجنا عـنده                    ونحن على بابـه قـائـمـون

ويضحك مـنا ومـن ديننـا                   فإنـا إلى ربنــا راجـعـون

ويختمها بحث الأمير على ذبح هذا الوزير الطاغية، مع اختلاف بين المؤرخين إن كان المقصود اسماعيل أم يوسف :

فبـادر إلى ذبحـه قـربـة                     وضـح بـه فهو كــبش سمين

ولا ترفع الضغط عن رهطـه                        فقـد كـنزوا كل عـلق ثمـين

وفرق عداهـم وخـذ مـالهم                  فأنـت أحـق بما يجـمـعـون

ولا تحـسبن قـتـلهم غـدرة                   بـل الغدر في تـركهم يعبـثون

وقد نكـثوا عـهدنا عندهـم                   فكيف تلام علــى الناكثـين ؟

وكيـف تكـون لهـم ذمـة           ونـحن خمول وهـم ظاهرون ؟

ونـحن الأذلـة من بـينهـم          كأنا أسـأنا وهم محســنـون

فلا ترض فـينا بأفـعـالـهم                   فأنت رهـين بـما يفـعلـون

وراقـب إلاهك في حـزبــه                  فحزب الإلاه هـم الغالبون[38]

ومع هذا كله، فقد كان جو التسامح يتيح للثقافة اليهودية أن تزدهر، إذ أتاح للعبرية أن تتطور تأثراً بالعربية، كما أتاح تجديد أدبهم وشعرهم خاصة، بتأثير من الشعر الأندلسي ـ والموشحات والأزجال على الخصوص ـ سواء من حيث الأشكال أو المضامين التي بدأت تتفتح على موضوعات ذاتية، على نحو ما نجد عند ابن النغريلة وموسى ين عزرا ؛ إضافة إلى أنهم كانوا يكتبون بالعربية، ليس فقط في المجال الأدبي، ولكن حتى في الميدان الديني الخاص بهم، نظراً للشيوع الذي كان بينهم للعربية .

ومن اليهود الذين برزوا في الثقافة العربية وقول الشعر : إسحاق بن شمعون اليهودي القرطبي الذي قال عنه صاحب المسهب، على حد ما ذكر ابن سعيد، أنه ” أحد عجائب الزمان في الاقتدار على الألحان، وكان قد لازم ابن باجة وأحسن الغناء بلسانه ويده ··· وكان له نظم رائق كفاك منه قوله :

قم هات كأسك فالنسيم قد اتسق

والعود عن داعي المسرة قد نطــق

ولديك من حث الكــــؤوس أزاهــــراً

في الخز يمرح كالأراكـة في الـورق

والزهر زهر والرياض سماؤهــا

والفجر نهر والشقائق كالشـفـق

وكان كثير المقام على شرب المدام، وهو القائل :

خـبرت الـعـالمين فلم أجـد من

يثيـر لـي المـنى غـير المـدام

تجـلي الهـم عـن فكـري وتبدي

لي اللـذات أجـمـع في نظــام

وتطمـعـنـي بمـا لا أرتجــيـه

بأحلـى من لـذاذات المـنـام

وتـخـرج بي إذا والـيت حـثـا

بها في الشرب من خلـق الطغــام

ولـو أني أحكـم لـم أذرهــا

تحل بغـير آفـاق الكــرام”[39]

ومنهم اسماعيل بن يوسف بن النغريلة الذي كان يجيد قول الشعر بالعربية والعبرية · أنشد له صاحب المسهب كما ذكر ابن سعيد :

يا غائبـا عن ناظـري لم يـغـب             عن خاطري رفقاً على الصـب

فـما له في البعـد من سلــوة                 وما له سول سوى القــرب

صورت في قلبي فلم تبتعـــد               عـن ناظـر الفـكرة بالحب

مـا أوحشت طلعة من لم يزل              ينـقل من طـرف إلى قلب[40]

ومثله ابنه يوسف الذي أورد ابن سعيد :” أنه كان صغيرا لما قتل أبوه بغرناطة وصلب في نهر سنجل، فهرب إلى إفريقية وكتب من هناك إلى أهل غرناطة شعره المشهور الذي منه :

أقتيلاً بسنجـل ليس تخـشـى                          حشر جسم وقد سمعت النصيحا

غـودر الجسم في التراب طريحاً                    وغدا الروح في البسيطة ريحـا

أيهـا الغــادرون هلا وفيتم                            وفديـتم شبه الذبيح الذبيحـا

إن يكن قتلــه لكم دون ذنـب                قد قـتلنا من قبل ذاك المسيحا

ونبــياً مـــن هاشم قد سممنا                خر من أكلة الذراع طريـحا  [41]

لقد أظهرت التجربة الإسلامية في الأندلس ـ عبر التسامح الديني في شتى مظاهره ـ مدى التعايش الذي يتيحه الإسلام مع غيره من سائر الديانات والملل والنحل عامة، بعقل وعلم، وبواقعية وتوازن واعتدال، دون إلزام أو إكراه، ودون خشية على العقيدة من التحرر الفكري مهما يكن تجرؤه وإطلاق العنان لنفسه، بعيداً عن الاكتفاء بإعمال النقل والتقليد، فضلاً عن التحجر والتعصب .

وبفضل هذا التسامح وما أنتج من تلاقح عرقي، وتواصل ثقافي وحضاري، برزت طاقات للإبداع خلفت تراثاً عربياً إسلامياً متميزاً طبع أوربا والإنسانية عامة .

لقد كانت الحواضر الأندلسية، وفي طليعتها قرطبة وإشبيلية، وأكاد أقول هذه الحواضر بدون استثناء، مراكز فكر وعلم وأدب وفن، تزخر بالمكتبات ومراكز التدريس والنساخة والمصحات الاستشفائية والمراصد الفلكية، ومجالس الشعر والغناء، وما كان يدور فيها جميعاً من حوار يشارك فيه المسلمون وغيرهم .

وهكذا ظهر نوابغ كان لهم التميز والتفرد في شتى أنماط الدراسات، على نحو ما تكشف الأسماء اللامعة التي أبدعت هذا التراث العربي الإسلامي المطبوع بسمات أندلسية، من أمثال ابن جزم وابن باجة وابن رشد وابن طفيل وابن عربي وابن عبد البر والشاطبي وابن زيدون وابن قزمان · وإذا كان المجال لا يتسع للتذكير بما أنتج هؤلاء، فإنه تكفي الإشارة إلى الرشدية التي تنسب لأبي الوليد محمد بن رشد (الحفيد) الذي قام بعملية التوفيق بين الحكمة والشريعة، أو في الحقيقة بين الدين والفلسفة الأرسطية، في تركيز على العقل وإعمال التأويل

وهكذا، ازدهرت مختلف الدراسات الدينية كما ازدهرت الفلسفة والطب والعلوم الدقيقة كالرياضيات والفلك، إلى جانب الفلاحة وما يتعلق بالزراعة والنبات مما انكب عليه التراجمة لنقله من العربية، وهو الذي كان منطلق النهضة الأوروبية الحديثة .

فبالإضافة إلى المظاهر الفكرية التي تمت الإشارة إليها، فإنه لا بأس من لفت الانتباه إلى بعض المظاهر الفنية ولا سيما الموسيقى · فقد تجلى التسامح على هذا الصعيد الفني في التمازج الذي وقع بين الأنغام المحلية الشعبية التي وصفت بأنها ” نصرانية ” وبين الإيقاعات الوافدة التي حملها المسلمون معهم، خاصة ما كان منها مزدهراً في الحجاز من ألحان عربية، وكذا في العراق على يد أعلام المدرسة الموصلية، وعلى رأسهم زرياب · وهو ما أنتج فناً أندلسياً برز فيه علماء أمثال ابن باجة الذي كان له فضل التطوير والتنقيح والتهذيب .

وفي هذا الجو الموسيقي وما كان يدور في مجالس الأدب والغناء حيث يلتقي الشعراء والملحنون، نشأت الموشحات والأزجال التي ربما كانت لها بوادر ومحاولات في بلاد المشرق، على مستوى النظام العروضي، ولكنها لم تنتج مثل هذه الألوان الجديدة التي تسنى ظهورها في الأندلس بسبب الحرية التي كان ينطلق منها مبدعو الشعر، وهم ينسقون مع الملحنين والمغنين .

وبعد، فذلكم هو الوضع الذي أنتجه التسامح الذي عاشته الأندلس في ظل الدولة الإسلامية التي استمرت ثمانية قرون وهو ما أعطى للأندلس، ومنها إلى أروبا إشعاعاً فتح الآفاق واسعة للحضارة والثقافة في العصر الحديث · هذا بخلاف ما كانت تنهجه ديانات أخرى انغلقت على نفسها، وحرمت كل تفكير لا يستجيب لسلطان رقابتها الصارم، في توقيف لحركة العقل وبث روح الكراهية· وهو وضع لا يمكن إبرازه، أو بالأحرى الزيادة في إبرازه، إلا بالمقارنة مع معاملة النصارى للمسلمين، وحتى لليهود، بعد عملية الاسترداد، وكذا قبل ذلك وفي الفترة السابقة على المرابطين والموحدين، في بعض الولايات المسيحية التي كانت بها أقلية مسلمة يضطر أصحابها مقابل المحافظة على دينهم أن يتنازلوا عن أراضيهم وممتلكاتهم، ويظهروا غاية الطاعة والخضوع ·

وتجدر الإشارة في إطار هذه المقارنة إلى الموقف المتسامح الذي كان للمسلمين مع اليهود، والموقف الاضطهادي الذي كان يعاينه هؤلاء في الممالك النصرانية، خاصة بعد الاسترداد الذي ألجأهم إلى الهجرة أو إلى إظهار التنصر .

ومع ذلك، وبعيداً عن كل تعصب أو ميل إلى مجرد الافتخار والاعتزاز بالتاريخ، فإننا في أمس الحاجة إلى وقفة تأمل ومراجعة لمعرفة السلبيات التي أفضت إلى نهاية الأندلس .

وإذا كنا ما فتئنا نطالب أنفسنا بالنقد الذاتي للتحرر من اجترار إيجابيات الماضي وكذا سلبياته، ومن كل العقد والمركبات التي تراكمت مصاحبة عصور التخلف، فإننا اليوم نطالب بهذا النقد أصحاب الحضارة المعاصرة، والأقوياء منهم الذين يتحكمون أو يريدون أن يتحكموا في زمام العالم، كي يراجعوا أنفسهم، ويعيدوا النظر في عقيدة المسلمين وتاريخهم وحضارتهم، حتى يزيلوا ما علق ويعلق بأذهانهم من خلط والتباس يشوشان على أية رؤية مستقبلية لعــالم يسـوده الأمن والاستقرار والعدل والاطمئنان، في استعداد نفسي وفكري لتعايش حقيقي تندمج به الإنسانية، في منأى عن أي مظهر من مظاهر الغلو والتعصب، وفي غير حقد أو كراهية، وما إليها من المشاعر التي يريد البعض أن يبعثها، تحاملاً على الإسلام، وتنكراً لما أسدى المسلمون للإنسانية من أياد بيضاء على الصعيد المعرفي والمنهجي، والثقافي والحضاري عامة، وما زالوا مؤهلين لأدائه .

[1] – رواه ابن حنبل عن ابن عباس

[2] –  أخرجه ابن حنبل عن عبادة بن الصامت

[3] – رواه ابن حنبل عن عبد الله بن عمرو

[4] – سورة الإسراء الآية 70

[5] – سورة هود، الآية 118

[6] – سورة الروم، الآية 22

[7] – سورة يونس، الآية 99

[8] –  سورة البقرة ، الآية 255

[9] –  سورة الممتحنة، الآية 8

[10] – سورة الحجرات، الآية 13

[11] – سورة الحجرات، الآية 2

[12] – أخرجه البخاري و مسلم عن النعمان بن بشير

[13] – سورة العنكبوت ، الآية 125

[14] – سورة النحل، الآية 125

[15] – سورة النساء، الآية 6

[16] – سورة البقرة ، الآية 285

[17] – سورة البقرة ، الآية 136

[18] – أورده الخطيب البغدادي عن ابن مسعود

[19] –  رواه البخاري و أبو داود و الترمذي و النسائي عن أبي هريرة

[20] – سورة  البقرة ، الآية 206

[21] – سورة الأنفال، الآية 62

[22] – سورة الحج، الآيتان 39-40

[23] –  الذخيرة لابن البسام ق 1 م 2 ص 430 ت إحسان  عباس- ط . الدار العربية للكتاب بيروت

[24] – المغرب لابن  سعيد ج 2 ص 268 ت شوقي ضيف-ط المعارف- مصر

[25] –  المعجب للمراكشي ص 171 ط الاستقامة- مصر

[26] – الذخيرة ق 1م2 ص 709

[27] – نفسه ص 707

[28] – نفسه ص 706

[29] – نفسه ص 705

[30] –  النفح ج 4 ص 19 و 300 ت إحسان عباس- دار صادر – بيروت

[31] – الذخيرة ق 1 م 2 ص 763

[32] – الذخيرة ق 1م 2 ص 764-765

[33] – المغرب ج 2 ص 182

[34] – نفسه ص 183

[35] – الذخيرة ق 2م 2ص562

[36] – أخبار و تراجم أندلسية مستخرجة من معجم السفر للسلفي ص 37- 38 إعداد و تحقيق : إحسان عباس – دار الثقافة – بيروت.

[37] – المغرب ج 2. .ص.114

[38] – الديوان ص 96 –100 ، ت محمد رضوان الداية- ط مؤسسة الرسالة- بيروت.

[39] – المغرب ج 1 ص 127-128

[40] – نفسه ج 2 ص 115

[41] – نفسه