تمتع النصارى بكامل الحرية في الاحتفال بأعيادهم الدينية، ولم تتدخل السلطة الإسلامية في شيء من أمورهم، بل إنها سمحت لهم بتعطيل الخدمة يوم الأحد، حتى أصبح تقليدا شائعا لدى كتاب الحكام الأمويين بالأندلس، واعتادوا عليه، وفي ذلك يقول ابن حيان: ̎وكان أول من سن لكتاب السلطان وأهل الخدمة تعطيل الخدمة في يوم الأحد من الأسبوع، والتخلف عن حضور قصره قومس بن أنتنيان كاتب الرسائل للأمير محمد، وكان نصرانيا دعا إلى ذلك لنكسه فيه؛ فتبعه جميع الكتاب طلبا للاستراحة من تعبهم، والنظر في أمورهم؛ فانتحوا ذلك، ومضى إلى اليوم عليه̎ .

         وقد احترم المسلمون قدسية يوم الأحد عند النصارى، وأعيادهم الدينية الأخرى؛ فكان الحاجب المنصور ابن أبي عامر في حملاته العسكرية يسمح لجيشه بالخلود للراحة في يوم الأحد، وكذلك في الأعياد المسيحية، ليتاح للنصارى تأدية عباداتهم.

         كان النصارى يحتفلون بعيد رأس السنة الشمسية، وهو ما يسمونه ب̎عيد النيروز̎، وقد أشار ابن حيان إلى ذلك في معرض كلامه عن أحداث سنة 364هـ بقوله: ̎ وأتى شهر يناير العجمي الشمسي الذي هو نوروز العجم بالأندلس لمدخل سنتهم العجمية يوم الاثنين… ̎.

         وفي بعض أمثال العامة الأندلسيين ما يستشف منه احتفالهم بهذا العيد كقولهم:  ̎خروجك من ينير أخير من خروجك من العنصرة ̎ ، وكان الاحتفال برأس السنة متجذرا في الأندلس، إلى حد أن المسلمين أصبحوا يشاركون النصارى الاحتفال به، ولم يكن الأمر مقصورا على العامة منهم؛ فقد اختار المنصور ابن عامر رأس السنة العجمية لعقد زواجه من ابنة غالب.

         كما ورد في بعض أمثال العامة إشارات إلى احتفال المسلمين بعيد رأس السنة، وأنهم كانوا يشترون بعض الأغراض كالحناء واللحوم والفواكه استعدادا له؛ لأنها من لوازم الاحتفال به.

         كذلك كان النصارى بالأندلس يحتفلون بعيد القديس يوحنا، ويسمونه بعيد العنصرة، أو المهرجان، ويوافق اليوم الرابع والعشرين من شهر يناير.

         وقد تأثر المسلمون بعيد العنصرة، حتى أصبحوا يؤرخون به؛ فقد رأى زرياب المغني أن يكون هذا اليوم هو ابتداء لبس البياض في الأندلس وخلع الملون. وقد خلدت هذا العيد أشعار كثيرة، وفيه يقول الوزير حسان بن مالك بن أبي عبدة:

أرى المهرجان قد استبشرا غداة بكى المزن واستعبرا

                                         وسربلت الأرض أمواهها وجللت السندس الأخضرا

وهز الريح صنابيرها فضوعت المسك والعنبرا

                                               تهادى به الناس ألطافه وسام المقل به المكثرا

        حرص النصارى كذلك على الاحتفال بعيد ̎ خميس العهد ̎، أو خميس أبريل، وفيه كانوا يأكلون المجبنات الحارة.

         وقد تصدى الفقهاء لمشاركة المسلمين بالاحتفال بأعياد النصارى بالنقد، واعتبروها من البدع المحرمة، وفي ذلك يقول الطرطوشي: ومن البدع… إقامة  ̎ينير̎ بابتياع الفواكه كالعجم، وإقامة العنصرة، وخميس أبريل، بشراء المجبنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعا أو أشتاتا مع النساء مختلطين للتفرج ̎.

أهل الذمة بالأندلس في ظل الدولة الأموية، محمد الأمين ولد آن ، دار الأوائل، الطبعة الأولى، 2011