مثل المولدون نسبة هامة من السكان المسلمين، وبخاصة في الجزء الشرقي من الأندلس؛ حيث احتكوا بطائفة النصارى، وكذا بالقشتاليين في الشمال الشرقي، وبسبب اتصالهم اليومي مع جيرانهم النصارى صعب انصياعهم للدولة الإسلامية، إضافة إلى تذمرهم الشديد من احتكار العرب الدائم للسلطة المركزية.

        لقد كان لنشوء طبقة المولدين نتائج إيجابية، لعل من أهمها الإسلام في الأندلس، كنتيجة مباشرة للزواج المختلط بين المسلمين والنصارى، إضافة إلى ظهور أسر مولدة نبغت في كافة مناحي الحياة العلمية والسياسية، وكانت لها إسهاماتها المتعددة في إرساء دعائم الحضارة الإسلامية بالأندلس.

        أما على المستوى الاقتصادي؛ فقد اندمج معظم المولدين في القطاعات المنتجة، مثل تربية الماشية والزراعة في الأرياف، وصيد السمك والأعمال البحرية على الساحل، أما في المدن؛ فقد زاولوا هم ومواليهم حرفا وأشغالا يدوية، واستطاعوا  أن يجمعوا ثروات طائلة من الاشتغال بالتجارة.

        ويشير ابن الأحمر إلى مجموعة من الأنشطة التي كانوا يزاولونها؛ حيث يقول: ̎ فمن كان منهم بالبادية، فاكتسبوا البقر والحرث والعسل، وأهل الجبال منهم، فكانوا يغرسون الأجنات والفواكه وقطع الخشب وطبخ الفحم، ومن ولي البحر منهم كانوا يجلبون الحوت والسردين، ويصنعون السفن وآلاتها إلى غير ذلك̎ ، ويستشف من ذلك أنهم كانوا أوفر العناصر نشاطا وأكثرها تلاؤما مع ظروف الحياة في الأندلس.

        شكل المولدون صعوبات كبيرة أمام السلطة الأموية، نتيجة ميلهم إلى التمرد والعصيان؛ إذ حدثت خلافات كبيرة بينهم وبين العرب؛ فقد تعصب بعض الأمويين في الأندلس للجنس العربي، باعتبارهم أصحاب السلطة وحماة الإسلام، وتعسف ولاة الدولة مع المولدين في جباية الضرائب، مما جعل هؤلاء يتعصبون ضد العنصر العربي، وهو ما أسفر عن ظهور الشعوبية المولدة في الأندلس.

        انتهج المولدون أسلوب الثورة، وكان لهم الدور البارز في الفتن التي عمت الأندلس في أواخر عصر الإمارة، وأخبارهم في هذا المجال تعج بها المصادر؛ فقد ثاروا في مدن مختلفة، نذكر منها على سبيل المثال: البيرة وطليطلة ووشقة وإشبيلية وجيان، مما يكشف على أن انتماءهم للعقيدة الإسلامية، واندماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لم يكن كافيا لإبطال مفعول الطائفية لديهم.

        وقد خلقت هذه الصراعات والحروب بين العرب والمولدين تراكمات كبيرة من الحساسيات بينهم، إلى حد جعل المولدين في إستجه يمتنعون عن أداة الصلاة خلف إمام عربي.

أهل الذمة بالأندلس في ظل الدولة الأموية، محمد الأمين ولد آن، دار الأوائل، 2011