عقدت بين الأعمدة  الرخامية على أعلى رؤوسها عقود متجاوزة على شكل حدوة الفرس، تقوم مقام الأوتار الخشبية، وظيفتها ربط الأعمدة فيما بينها، كما أقيمت فوقها عقود نصف دائرية تحمل الجدران التي تتكئ عليها السقف، وتزيد في الوقت نفسه من ارتفاع السقف، وتستند العقود على كوابيل ملفوفة مؤلفة من ثلاثة أو أربعة فصوص متراكبة الواحد فوق الآخر، ويتناوب في جميع العقود العليا والسفلى اللونان الأصفر الشاحب والأحمر، نتيجة لتناوب الحجارة والآجر، بحيث يتألف من هذا التعاقب سنجة حجرية، وثلاثة صفوف متلاحمة من الآجر الأحمر تؤلف سنجة أخرى، وهكذا تمكن مهندس الجامع من إحداث تأثير جمالي من هذه الحلية المعمارية البسيطة. ويتكون العمود من رأس رخامي (تاج)، وبدن، وقاعدة من الرخام، وكان بعض هذه القواعد مدفونا في أرضية المسجد، والبعض الآخر ظاهرا فوق مستوى سطحها على نحو غير مستقيم، وجميع أعمدة المسجد الذي أقامه عبد الرحمن الداخل القديمة، قوطية أو رومانية، استغلها بناة المسجد من الكنائس الخربة، وأعادوا استخدامها في المسجد الجامع. ويتوج الجدران الخارجية للمسجد إفريز من الشرفات المثلثة المسننة، وتسند الجدران ركائن قوية وظيفتها إكساب المسجد ضفة القلاع، إذ أن صفوف العقود ترتكز مباشرة على جدران القبلة.

        وحين يتخذ المرء طريقه داخل بيت الصلاة مارا بين صفوف الأعمدة الممتدة إلى ما لا نهاية بعقودها المزدوجة، توحي إليه هذه الأعمدة والعقود المتكررة بالطبيعة الحية تحت ظلال في لون الشفق بحيث تمثل غابة من النخيل، ويتسلل الضوء من شبكات النوافذ الخارجية باهتا داخل مسطح بيت الصلاة، ويحدث تأثيرا عميقا في النفس، فيستشعر المرء نفسه في هذا المسجد بعيدا عن نطاق الحقيقة، ويظل مستغرقا مهيئا للتطلع إلى ما وراء الحس، في صلاة خاشعة، مؤديا لله فرضه، مقرا لعبوديته حياله، ولا سبيل إلى أن يكون الخلق المعماري أكثر كمالا مما يوحى به هذا المثل الديني في بساطته وتجرده.

 تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة، الدكتور السيد عبد العزيز سالم، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1998.

جامع قرطبة