اندفع النصارى بشكل كبير نحو الانفتاح على غيرهم من مكونات المجتمع الأندلسي، واستطاعوا، منذ الفتح، إقامة جسور للاتصال مع المسلمين، وذلك من خلال الاختلاط والاحتكاك المباشر، وتوجت علاقات الطرفين بقيام المصاهرات بينهما، وهو الأمر الذي ساهم في الاستفراد من التقاليد والعادات المختلفة، كما أثرى الحياة الاجتماعية في الأندلس بشكل عام.

وارتبط المسلمون مع النصارى بالزواج … ويذهب سيموني إلى أن كثيرا من النصرانيات كن يتزوجن بمسلمين، رغم عدم مباركة الكنيسة في الأندلس لذلك. وترجع البدايات الأولى لهذه الظاهرة إلى السنوات الأولى للفتح؛ حيث تزوج عبد العزيز ابن موسى بن نصير بأرملة لذريق المسماة إيخيلونيا (EGILONA)، وتسميها المصادر العربية أم عاصم، وقد سكن معها بكنيسة ربينة SANTA RUFINA) ) في إشبيلية، حتى مقتله سنة 97هـ/716م.

أصبح الزواج المختلط بين المسلمين والنصارى ظاهرة شائعة في الأندلس والممالك الشمالية على حد سواء، فقد تزوج عبد الجبار بن نذير ابنة تدمير صاحب أوريولة، وكانت أشهر المصاهرات بين المسلمين والنصارى زواج سارة القوطية من عيسى بن مزاحم؛ حيث أنجب منها عدة أولاد، وفي عصر الإمارة، تزوج الوزير تمام بن عامر بأم الوليد بنت خلف بن رومان النصرانية.

اشتهر الحكام الأمويون بالأندلس بالزواج من النصرانيات، حتى صار عندهم عادة، … وإلى ذلك أشار ابن حزم بقوله: ̎وأما جماعة بني مروان _رحمهم الله_ ولاسيما ولد الناصر منهم، فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة، لا يختلف في ذلك منهم مختلف، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم من لدن دولة الناصر إلى الآن، فما منهم إلا نزاعا إلى أمهاتهم، حتى صار ذلك فيهم خلقة…̎ ، وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى اعتبار البيت الأموي في الأندلس بأنه بيت مولد، وأنهم كانوا عربا بالإحساس والاتجاه واللغة إلى حد كبير.

كما أشار ابن حيان إلى أن وجوه النصارى قد تنافسوا على جميلة بنت عبد الجبار عندما سبيت، وصارت لعظيم منهم، تزوجها، وأنجبت له ولدا، أصبح ـ فيما بعدـ أسقفا عظيما بكنيسة شنت ياقب.

كما تميز بنو قسي المولدين في الثغر الأعلى بتزويج بناتهم من ملوك وأمراء النصارى، دون حرج، وتعتقد إحدى الباحثات أن عدم تحرجهم من ذلك يعود إلى أن بني قسي كانوا من أكثر المولدين اعتزازا بأصولهم الإسبانية، على حساب إسلامهم، وكانوا يلتمسون في مصاهرة ملوك إسبانيا المسيحية لهم نوعاً من التحالف ضد السلطة المركزية بقرطبة؛ إذ كانوا دائمي الثورة على أمراء بني أمية، وكثيرا من خاضوا حروبا ضد قوات الدولة الأموية.

     أهل الذمة بالأندلس في ظل الدولة الأموية محمد الأمين ولد آن، دار الأوائل 2011.