من بين كل الفنون المعمارية التي تعود للقرون الوسطى، يبقى الفن الإسباني-الموريسكي أكثرها تعميراً، ذلك لأن تأثيره لا زال إلى اليوم في قطاع الصناعة التقليدية بالمدن المغربية ذات الأصل الأندلسي، مثل فاس وتطوان والرباط ومكناس ومراكش، والتي تعتبر آخر معاقل هذا الفن. وتعود أهم العناصر التي حددت هوية الفن المذكور إلى القرن الثالث عشر الميلادي. وسيعرف هذا الفن بعض التراجع  ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي، بسبب تقلبات التاريخ.

ويمكن القول إن هذا المسلسل الفني الطويل ولد في الغرب الإسلامي مع تأسيس المسجد الأموي بقرطبة سنة 785م، من طرف الأمير عبدالرحمن الداخل. ورغم اعتبار هذا المسجد النواة الأولى للفن الإسباني-الموريسكي، فإنه لم يحظ إلى اليوم بما يستحقه من بحث وتنقيب حول التقنيات المستعملة في بنائه، والمظاهر الفنية التي يزخر بها. وكان المسجد قد عرف فيما بعد إضافة مرافق جديدة لم تكن معهودة من قبل في المساجد، وذلك نتيجة للمهام التي أصبح يطلع بها، وهي مرافق غنية ومتنوعة.

تم التطرق في مناسبات متعددة إلى أصل الهندسة المعمارية الإيبيرية، ويخبرنا في هذا الإطار السجل الفني لأقصى الغرب الإسلامي، أن الأمر يتعلق بفرع من الفن الأموي الذي ظهر في دمشق، وامتزج مع مرور الوقت بمخلفات العمارة الإسبانية- الرومانيةـ القوطية، وبأشكال فنية أخرى قادمة من بغداد وفارس واليونان وبلاد المغرب. هذا الامتزاج هو الذي سمح بظهور تيار فني عظيم اصطلح على تسميته بالفن الإسباني-الموريسكي.

ويعتبر الباحثون المتخصصون، وهم محقون في ذلك، الشكل الهندسي المعروف بالقوس العربي، الشبيه بنعل الفرس، والذي استعمل لأول مرة في مسجد قرطبة، الرمز الذي سيطبع على امتداد قرون، الفن الإسباني-الموريسكي.

نجح أولئك الصناع المجهولون الذين شيدوا المسجد، في إتقان تلك الأقواس،  سواء من حيث الزخرفة أو من حيث الأشكال الهندسية، وهذا ما يشهد به الفضاء المخصص للصلاة بالمسجد المذكور. كما نجحوا في حل مشكل الارتفاع في البناء، من خلال استعمال تقنية الأقواس المتناضدة التي تمزج في تناوب متناسق بين الصخور المنحوتة من الكلس الأبيض والآجر الأحمر، وهنا تجب الإشارة إلى أن الأمر يتعلق بأشكال هندسية نعثر عليها في سوريا الأموية كما نعثر عليها في إسبانيا القوطية.

لقد استعملت تقنية الأقواس المتناضدة من قبل، في المسجد الأموي بدمشق، وفي المسجد الأقصى بالقدس الشريف، لكن ليس بنفس الطريقة التي نعثر عليها في المسجد الأعظم بقرطبة، حيث إن هذه من ابتكار أولئك الصناع المهرة الذين شيدوا المسجد. لقد صُمم الفضاء الداخلي للمسجد بشكل يثير الإعجاب، فهو مفتوح على مجموعة لا متناهية من الزخارف والخطوط الممتدة نحو السماء، هذا الفضاء يترك لدى المشاهد انطباعاً معقداً كثيفاً وغنياً. كما أن الأعمدة وبالطريقة التي اصطفت بها، تترك الانطباع أن قاعة الصلاة قسمت إلى فضاءات متعددة، تتكرر بشكل لامتناه، هي  نسخة من بعضها البعض، يتجه من خلالها النظر في اتجاهات لامتناهية كذلك. إن تقنية السقف المسنود بأعمدة، توحي بأن الفضاء أكبر مما هو عليه في الواقع، وأنه في حالة تموج وحركية مستمرة. يساهم في هذا الإيحاء وضع الزخارف بشكل أفقي وليس عمودي، والإكثار من الأعمدة والأجنحة.

إن المسافة التي تفصل الأقواس عن بعضها البعض هي نفسها، وهذا مصدره من جهة التأثير الإيبيري، ومن جهة أخرى التأثيرات المشرقية والإغريقية. أما تناضد الأقواس فهو بكل تأكيد تقليد روماني. ويظن المؤرخون أن واضع تصميم المسجد استوحى تقنية تناضد الأقواس من جسر مدينة ماردة المعروف، رغم أن أصل الأقواس الشبيه شكلها بنعل الفرس ليس بصدده إجماع، حيث يتعلق الأمر بالنسبة للبعض بشكل إسباني صرف، وفي هذه الحالة تكون إسبانيا قد منحت للفن الأموي في الأندلس، أحد أهم عناصره في مجال النحت والزخرفة، بينما يتعلق الأمر بالنسبة للبعض الآخر، بشكل متعدد الأصول؛ استعمل في الشرق القديم قبل ظهور الإسلام؛ إذ نعثر عليه بمدينة قطسفيون الساسانية، وببعض مدن البحر الأبيض المتوسط، وبسوريا وآسيا الصغرى. وهنا يجب أن ننبه إلى الصعوبة التي تطرحها عادة إعادة إنتاج أشكال ونماذج تنتمي إلى ثقافات معينة من طرف ثقافات أخرى.

يجدر بنا إذاً أن نتساءل هل نجح البناؤون الأندلسيون في ابتداع نموذج جديد من الأقواس، أم اكتفوا باستنساخ النموذج المشرقي؟ إذا أخذنا برأي “هنري تيراس” Henri Terasse، فإن: “القوس العربي الذي استعمل بشكل تلقائي في كل البناية (مسجد قرطبة)، ينتمي إلى التقاليد القوطية وليس إلى التقاليد الأموية المشرقية”[1].

ومن بين الأقواس التي تلفت الانتباه في مسجد قرطبة، ذاك الذي نجده  في “باب الوزراء”، والذي يعود تاريخ بنائه إلى المرحلة الأولى من تشييد المسجد. وتكشف لنا بنية هذا القوس أنه النموذج الذي تم تعميمه في كل أبواب المساجد التي شيدت فيما بعد، وكذا في أبواب المَحَارب. وسوف ينتقل هذا النموذج  في وقت لاحق إلى المغرب، كما تشهد بذلك الأبواب الموحدية مثل باب أكناو في مراكش، وبابي الرواح والأوداية في الرباط، وأبواب القصور والمباني المدنية والدينية في جهات مختلفة من المغرب.

وسيعرف المسجد الأعظم بقرطبة على عهد الأمير عبدالرحمن الثاني (821م-852م)، توسعاً جديداً في اتجاه الجنوب خلال المرحلة الممتدة ما بين سنة 832م وسنة 848م، بحيث سيضاف للفضاء المخصص للصلاة ثمانية أروقة كلها في اتجاه القبلة. وبما أن المواد التي كانت تستعمل لتشييد الأعمدة والأقواس لم تعد موجودة، فقد كان لزاماً البحث عن مواد أخرى، تسمح بتشييد أعمدة وأقواس تكون شبيهة بسابقتها. وسيبدأ آنذاك تشييد الأقواس على الطراز الكورنتي (نسبة إلى مدينة كورينتو الإغريقية)، وهي أقواس تتميز برقتها وميلانها وزخرفتها وتزيينها بمادة مستخلصة من نبات الأقنثا، وهذا ما جعلها مختلفة عن النماذج البزنطية صارمة الشكل، والتي استعملها الأغالبة خلال نفس الفترة في القيروان.

وحسب “هنري تيراس” :”يتبين من أصالة وكذا من تنوع الزخرفة، أنه لم يكن قد ظهر بعد خلال هذه المرحلة نموذج أندلسي خالص، ومع ذلك نلمس أن هناك إرادة ورغبة في طبع ما تمت استعارته، بطابع وبأسلوب خاص يتميز بالجمالية. وسيقتصر ذلك في البداية على أسرة واحدة هي الأسرة الأموية، وعلى مدينة واحدة هي مدينة قرطبة، قبل أن يتعمم الأسلوب ليفرض نفسه على الأعداء والأصدقاء على حد سواء”[2].

إن حذلقة هذا الفن لم تتوقف عند المكان الذي انطلق منه، بل سيتم إغناؤه في القرون الموالية من طرف الأمويين اللاحقين في الأندلس، وكذا من طرف العباسيين في المشرق، والذين كانت تصل تأثيراتهم باستمرار إلى الأندلس. وقد سمح امتزاج التأثيرات المشرقية بالإبداعات المحلية، بخلق تكامل في الدقة والتهذيب بين الشرق والغرب لم يسبق أن حصل من قبل.

قام عبدالرحمن الناصر (912م ـ961م) بتوسيع فناء جامع قرطبة، وتشييد مئذنة مستطيلة الشكل اختفت تقريباً اليوم، وهو الذي أمر كذلك بتشييد مئذنة جامع القرويين بفاس سنة 956م عندما ضم المدينة إلى دولة الخلافة. غير أن الفضل في توسيع واستكمال أشغال البناء في جامع قرطبة، يعود إلى ابنه الخليفة الحكم الثاني (961 م  -

976 م)، الذي قام بذلك ما بين سنة 962م وسنة 966م، حيث أضاف اثني عشر رواقاً وجدارين موجهين نحو القبلة، ولتحقيق ذلك كان لزاماً إزالة الجدار الرئيسي الموجه نحو القبلة وكذا المِحراب القديم. وقد تم آنذاك استنساخ النموذج الفخم الذي كان يستعمل في الشرق وخصوصاً في بغداد العباسية، والمتمثل في تشييد أربع قباب فخمة مزينة بالفسيفساء المزخرف، قبالة المِحراب الذي زين هو الآخر بفسيفساء زجاجي  مع عمق من الذهب، وهو ما أضفى رقة وبهاءً على المقصورة المخصصة لصلاة الخليفة. هذا المحراب الجديد هو مشكاة عميقة بثمان زوايا في شكل إطار ببابين، تزينهما قبة مزخرفة رائعة في شكل صدفة، وتنبعث الإنارة من القبة حيث تبث لوناً خفيفاً جميلاً. هذا المكان الذي يمزج بين البساطة والتعقيد هو دون شك أبرز ما أضافه الحكم الثاني للجامع، وهو يعكس درجة التطور المعماري والفني الذي عرفته الأندلس في  تلك المرحلة.

ويقدم “إيلي لامبرت” Elie Lambert الوصف التالي لمسجد قرطبة بعد التغييرات التي أدخلها عليه الحكم الثاني: “تحدد اثنتان من القباب الأربع  أطراف قاعة الصلاة، والاثنتان الأخريان الجزء الأمامي من المحراب، هاتان الأخيرتان واللتان لهما زخارف ناتئة على شكل كواكب، تعتبران إحدى أهم المستجدات. ربما يكون أصلهما مشرقياً وصل الأندلس عبر إفريقية. وتتخلل هذه الزخارف الناتئة مجموعة من الأقواس المتشابكة فيما بينها بواسطة فصيصات إما مسطحة ملساء أو مزينة بنقوش”[3]. هذه الزخارف البهية تبرز جمالية البناء وتطبعه بطابع خاص، خصوصاً مع اتساع فضاء قاعة الصلاة، وانتظام الأعمدة، وَرِقّة الأقواس متشابكة الفصيصات التي تسند الأعمدة. وفي تقدير “إيلي لومبارت” الذي نتفق معه،  إننا حيال “واحدة من أعظم الأعمال التي أنتجتها الثقافة الإسلامية في كل البلدان والعصور”[4].

مما سلف ذكره، تظهر العلاقة الوطيدة بين فن العمارة في دمشق وبين فن العمارة في قرطبة زمن الخلافة، بحيث أعيد انتاج النموذج الدمشقي كما يتبين من الحروف المزخرفة ومن استعمال القوس العربي. غير أن هذا النموذج الدمشقي تم طبعه بطابع إيبيري، وبعناصر هيلينية من المرحلة الكلاسيكية وصلت الأندلس دون شك نتيجة للعلاقات الوطيدة التي كانت تجمع  قرطبة ببيزنطة.

وسوف يمتد بعد ذلك التراث المعماري القرطبي إلى فاس نتيجة الحضور المتقطع للخلفاء الأمويين، ثم نتيجة للاهتمام الذي أولته لهذا التراث الأسر الحاكمة في المغرب خصوصاً المرابطين والموحدين، وهو ما سيساهم فيما بعد في ولادة وتطور هندسة معمارية راقية على عهد أسرتي بني الأحمر في الأندلس وبني مرين في المغرب.

بقلم الدكتور محمد المطالسي، ترجمة الدكتور عبدالواحد أكمير

[1]- Terrasse, Henri. Islam d’Espagne, l’Orient en Occident, Ed. Plon, Paris, 1958, p. 44.

[2]- Terrasse; op. cit., p. 49.

[3] – Lambert, Elie. L’art musulman d’Occident, des origines à la fin de XV siècle, CEDES. Paris, 1966. p. 70.

[4]Ibid; p.70.