كان جامع قرطبة من الوجهة الفنية أروع أمثلة العمارة الإسلامية والمسيحية على السواء في العصر الوسيط، ومن الوجهة العلمية، أكبر جامعة إسلامية تدرس فيها العلوم الدينية واللغوية، ويفد إليها طلاب المسلمين والعجم للدرس والتحصيل، لذلك اشتهرت مدينة قرطبة لاشتمالها على المسجد الجامع ̎الذي ليس في بلاد الأندلس والإسلام أكبر منه حسب الرازي. وعنه يقول الحميري إنه الجامع ̎المشهور أمره، الشائع ذكره، من أجل مصانع الدنيا كبر مساحة، وإحكام صنعة، وجمال هيئة، وإتقان بنية، تهمم به الخلفاء المروانيون، فزادوا فيه زيادة بعد زيادة، وتتميما إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف، ويعجز عن حسنه الوصف، فليس في مساجد المسلمين مثله تنميقا وطولا وعرضا̎.  أما الشريف الإدريسي فيقول عنه في كتابه »نزهة المشتاق في اختراق الآفاق « : ̎ … وفيها المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بنية وتنميقا وطولا وعرضا̎.  وهكذا أصبح يضرب بهذا المسجد الجامع المثل في العظمة والاتساع وفي كثرة الزخارف والجمال، وقد بالغ مؤرخو العرب في المغرب والأندلس في وصفهم له، فصوروه تصويرا أقرب إلى الخيال، واختصوه بعنايتهم، وعظموه وأجلوه، وكتبوا في تاريخه ووصفه فصولا طوالا تعد من أهم المصادر عن هذا الأثر الخالد الجليل.

         ويرجع هذا التعظيم والإجلال لجامع قرطبة إلى أن حنش بن عبد الله الصنعاني، وأبا عبد الرحمن الحبلى التابعين قد توليا تأسيسه بأيديهما، وقوما محرابه. وقد احتفظ الأمير عبدالرحمن الأوسط بهذا المحراب النفيس عند زيارته لبيت الصلاة، فنقله من موضعه القديم، وركزه في مكانه من القبلة الجديدة، كذلك احتفظ المسجد الجامع في سائر زياداته باتجاه القبلة الذي حدده حنش الصنعاني، رغم انحراف هذا الاتجاه من الاتجاه الصحيح.

         ولما شاور الخليفة الحكم المستنصر العلماء في رغبته في تصحيح اتجاه القبلة نحو الشرق، عندما شرع في النظر في زيادته الكبرى بالجامع، كما فعل أبوه الناصر في قبلة جامع الزهراء، قال له الفقيه أبو إبراهيم: ̎يا أمير المؤمنين، إنه قد صلى إلى هذه القبلة خيار هذه الأمة من أجدادك الأئمة، وصلحاء المسلمين وعلمائهم، منذ افتتحت الأندلس إلى هذا الوقت، متأسين بأول من نصبها من التابعين كموسى بن نصير وحنش الصنعاني وأمثالهم رحمهم الله تعالى. وإنما فضل من فضل بالاتباع وهلك من هلك بالابتداع. فأخذ الخليفة برأيه وقال: نعم ما قلت! وإنما مذهبنا الاتباع̎ .

         ومن مظاهر إجلال المسلمين وتعظيمهم لهذا الجامع ما نعته به مؤرخو العرب، فقد سماه عبد الواحد المراكشي بالجامع الأعظم، وكذلك وصفه ابن بشكوال ولسان الدين بن الخطيب، وقد بلغ من إجلال أهل الأندلس وتعظيمهم لمسجدهم بقرطبة أن جعلوه مركزا دينيا هاما يحج الناس إليه، وفي ذلك يقول ابن المثنى شاعر الأمير عبد الرحمن الأوسط من قصيدة:

بنيت لله خير بيت                                                           يخرس عن وصفه الأنام

حج إليه بكل أدب                                                            كأنه المسجد الحرام

كأن محرابه إذا ما حف به                                                  الركن والمقام

تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة، الدكتور السيد عبد العزيز سالم، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1998.