أكثر الخليفة الحكم من مجالسة العلماء وآثرهم على من سواهم في تقديرهم واحترامهم، وحسب ابن سعيد:  ̎جمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من ملوك الأندلس قبله، وذلك بإرساله فيها إلى الأقطار واشترائه لها بأعلى الأثمان، ونفق عليه ذلك فحمل إليه̎.

         وأما الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فكان له مجلس معروف في الأسبوع وكان يوم جمعة، وهو مجلس حافل، يجتمع فيه أهل العلم الكبار بصورة دورية مدة إقامته بقرطبة بقصره في الزاهرة، كما كان شعراء بلاطه الرسميين يختلفون إلى مجالسه ومناظرته ومطارحاته وكان قد أثبتهم في ديوان العطاء الذي يسمى كذلك بديوان الزمام أو الندماء، وأجرى عليهم الجرايات الثابتة. وكان لولده من بعده الحاجب المظفر مجالس يقال فيها البيت الرفيع، والنظم البديع، وله مجالس منادمة، ̎ إلا أنه لم يكن فيه للأدب ما كان له من أبيه، فقد وصفه ابن حيان بأنه كان مائلا لمجالسة العجم الجفاة من البربر والإفرنج، منهمكا في الفروسية، إلا أن أصحاب أبيه لم يخل بهم ولاجفاهم، بل أبقاهم على رسمهم̎ …

هذا وقد أشار ابن الفرضي وابن بشكوال إلى الكثير من المجالس العلمية للعلماء والفقهاء في الأندلس، فقد كان أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الكلاعي المعلم (ت 391هـ/1000م) يجتمع إليه في داره للتفقه والقراءة عليه. وإسحاق بن إبراهيم بن عيسى المرادي من أهل استجه، له حلقات يعقدها في الجامع وكانت له رياسة بأستجة، وقدر عظيم من الفتيا أيام الأمير عبد الله…

ومن المجالس العلمية الفريدة من نوعها، مجلس الفقيه أحمد بن سعيد بن كوثر الأنصاري (ت 403هـ/1012م) الذي كان يعقد في داره في طليطلة وكان في مجلسه هذا أكثر من أربعين تلميذا، يدخلون في داره في شهر تشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني في مجلس قد فرش ببسط الصوف مبطنات، والحيطان باللبود من كل حول، ووسائد الصوف، وفي وسطه كانون في طوله قامة الإنسان مملوء فحما، يأخذ دفأه كل من في المجلس، فإذا فرغ الحديث أمسكهم جميعا وقدمت الموائد.

وكان من العلماء من يجلس في دكان له، فهذا إبراهيم بن مبشر بن شريف البكري (ت 395هـ/1004م) كان يقرئ، في دكانه قرب المسجد الجامع بقرطبة، وينقط المصاحف ويعلم المبتدئين. وكان إبراهيم بن محمد بن حسين بن شنظير الأموي (ت 402هـ/1011م) لم يكن هناك أوقر مجلسا منه، كان لا يذكر فيه شيء من أمور الدنيا إلا العلم، وكان وقورا مهيبا في مجلسه سواء، وكانت له ولصاحبه أبي جعفر، أحمد بن محمد بن محمد بن عبيدة الأموي المعروف بابن ميمون (ت 400هـ/ 1009م) من أهل طليطلة، حلقة في المسجد الجامع يقرأ فيها كتب الزهد والكرامات وغيرها، ورحل الناس إليهما من الأفاق.

الأحوال الاجتماعية والاقتصادية لأعيان الأندلس في عهدي الإمارة والخلافة، الدكتور صباح خابط عزيز سعيد الحميداوي، دار ومكتبة عدنان، 2014.