ازدهرت الحركة الثقافية العامة في القرن الخامس ازدهارا عظيما، ويبدو ذلك واضحا في عدد من المجالات التي ظهرت (سواء الدينية أو العلمية منها) مع أنها كانت كثيرة التداخل في الأندلس، نظرا للشمولية التي تطبع الإسلام الذي يعرض للحياة في أبعادها الروحية والدنيوية ويضم بالتالي العلم بجميع أبعاده. ولئن اشتهرت بعض المدن والمناطق بطاقتها الإنتاجية، خصوصا قرطبة، فقد شملت هذه الحركة جل أطراف الأندلس. ونتيجة لتعميم التعليم وانتشار المعرفة في الأندلس في القرن الخامس للهجرة، أصبحت هذه الحركة تتصف ببعد كمي ينعكس في الإنتاج الثقافي والفكري الضخم الذي تميزت به هذه الحقبة،  وببعد كيفي ينعكس في الشخصيات الثقافية البارزة المعاصرة التي ارتقت إلى مستوى عالي في ميادين متعددة بما فيها التاريخ. فعلى سبيل المثال، إن أبرز الشعراء والفقهاء والمؤرخين وغيرهم من المفكرين الأندلسيين ظهروا في القرن الخامس بالذات. وإن كان هؤلاء المثقفون البارزون من إنتاج بيئتهم فإنهم أثروا بدورهم الحركة الثقافية العامة في الأندلس وساهموا في المزيد من تقدم المعرفة في الأندلس فيما بعد. كما كان لهم تأثير في انتشار المعرفة والفكر خارج الأندلس، وفي المغرب، وفي أنحاء أخرى من العالم الإسلامي من جهة، وفي أوروبا من جهة أخرى.

         وإن كان من الواضح أن للميراث الثقافي والحركة العامة في الأندلس دورا هاما في إنتاج الشخصيات الثقافية البارزة في القرن الهجري الخامس، فإن أهمية مساهمة هذه الشخصيات العظيمة للحركة أمر بديهي. ومن الأهمية بمكان أن نطرح السؤال التالي: هل أبرزت الحركة الثقافية والفكرية العامة في الأندلس المفكرين الأندلسيين البارزين في القرن الهجري الخامس، أم أنتج هؤلاء هذه الحركة؟ لا يمكننا أن ننكر أن ابن حزم وابن بشكوال وابن زيدون وأبا الوليد الباجي وابن عبد البر البكري وابن بسام وعشرات من الأسماء الأندلسية اللامعة من نتاج الحركة الثقافية والفكرية العامة في الأندلس خلال القرن الخامس للهجرة بحيث إنهم كانوا يشكلون جزءا لا يتجزأ منها ولا يمكننا أن نتصور احتمال إنجازاتهم الفكرية لولا وجود هذه الحركة.

جوانب من الواقع الأندلسي في القرن الخامس الهجري، منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، بتعاون مع جمعية تطوان، أسمير، الطبعة الثانية: تطوان 1999