“بسم الله الرحمن الرحيم

        أما بعد، فإن أمير المؤمنين لم يزل منذ اصطفاه الله تعالى لخلافته، وارتضاه لحمل أمانته، وقلده أعباء بريته، ناظرا لجميع المسلمين، محاميا عنهم، مهتبلا بأمورهم، متعاهدا لأحوالهم، ساعيا فيما يرقه عنهم، ويرغد عيشهم، ويرخي بالهم، ويصل حبل جماعتهم، ويبسط العدل والأمن فيهم، تهون عليه في ذلك رغائب الموال، ونفسيات الدخائر، وجلائل الأعلاق، فيما يعود عليهم ويرفع عنهم، ويرعاهم بعين عن مصالحهم غير نائمة، وجوانح على النصيحة لهم منطوية، ونفس قد حشاها الله عليهم رأفة وملأها رحمة، لا يشغله دانيهم عن قاصيهم، ولا حاضرهم عن باديهم، ولا يلهيه ما بسط له من ملكه وعز سلطانه وعلو أمره وتمكين الله – تبارك وتعالى – له عن العناية بعلم حق يرفعه، وتوهين باطل يضعه، وبحكم عدل ينفذه، وتخفيف مغرم يرجو ثوابه.

        فكان أول ما استقبل به نعمة الله في استخلافه إياهم، وإكرامه له بصرف أمر الأمة إليه أن أسقط من الجبايات المستقرة على الرعية أعدادا عي ذوي الإدراك حصرها، وشع في العالمين ذكرها، وأبقى الله عز وجل له فخرها وأجرها، مما لم تكن الخلفاء – رضي الله عنهم – مع عظيم فضائلهم وجليل مآثرهم لتسخو ولا تطيب أنفسها عنه، فهانت عليه في التزلف إلى ربه واحتقرها في استصلاح رعيته، ثم لم يكتف بذلك ولا أقنعه حتى وضع عن الرعية بعد قليل مثله وشفعه بشبهه، باذلا له بنفس متسعة لفعل الخير، وباع رحيب ببسط الفضل، وهمة أكبر من الدنيا، يقارض ربه فتحسن مقارضته، ويتاجره فتريح تجارته؛ فكلما جدد الله تعالى له صنعا، وزاد في ملكه تمكينا وعلى أعدائه ظهورا، ازداد لله تعالى خشوعا، وبنعمته اعترافا، ولفضله عليه شكرا، وإلى من قلده أمره إحسانا؛ وإن أمير المؤمنين لما تظاهرت آلاء الله تعالى عليه وحسن بلائه عنده ، رأى أن يجدد له الشكر ويمتري عنه المزيد بإسقاط سدس جميع مغرم الحشود الواجب تقاضيها عنهم لسنة أربع وستين وثلاثمائة، تخفيفا عن رعيته، وإحسانا إلى أهل مملكته، وعهد أن يكون هذا الاسم المسقط مكشوفا لجميع الرعايا ليبعد عن احتيال العمال، وتوسع الرعية النعمة به، ويستوي في معرفته العالم والجاهل، واليقظ والذاهل.

        فإذا ورد عليك كتاب أمير المؤمنين هذا فاحتفل في إنذار الناس بأقطار عملك، ولا يتخلفن منهم إلا من عذر أحد عنك، وأمر بقراءته عليهم إثر صلاة الجمعة ليفهمه قاصيهم ودانيهم، ويحمدوا الله عز وجل على ما وهب لهم من رأفة خليفتهم، وكريم نظر إمامهم لكافتهم، فيستدرون عونه بالشكر، ويستلهمونه العون على القيام بحقه، وأداء مفروض طاعته، والنصيحة له، فإنه يستجيب للداعين، ويزيد الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين، إن شاء الله، وهو المستعان”.

نقلاً عن: أحمد عزاوي، رسائل ديوانية أندلسية من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن الرابع(، الطبعة الأولى، 2013. مطابع الرباط، نت.