كنا نعرف، بفضل إشارة واردة في كتاب “الحلل الموشية” مجهول المؤلف، أن الأمير عبد الله (الزيري) كان قد دون تأريخا عن الدولة التي أسستها أسرته في إسبانيا والتي كان هو آخر ممثليها. وعندما أصدرت في 1934م أول طبعة للقسم المتعلق بالأندلس من كتاب أعمال الأعلام لابن الخطيب، جلبت انتباهي الفقرة الآتية (ص 299 ) : “وقفت على ديوان بخط عبد الله بن بلقين ألفه بعد خلعه بمدينة أغمات وقرر فيه أحواله والحادثة عليه مما يستظرف من مثله، أتحفني به المسجد بأغمات رحمه الله. ” وبفضل إشارة أخرى وردت في نفس الكتاب، نعرف أن ابن الخطيب قد زار أغمات وزار بها قبر المعتمد بن عباد في 761هـ / 1390م؛ فيمكننا أن نتساءل بأن المخطوط الذي استعملناه، إذا لم يكن هو نفس هذه النسخة، فهو على الأقل نسخة ثانية كتبت عن الأصل …

من كان الأمير عبد الله هذا؛ وأية قيمة يجب إعطاؤها إلى كتابه؟ فلأكتف من بتلخيص ما نشرته عنه أخيرا في الطبعة الجديدة لدائرة المعارف الإسلامية (الطبعة الفرنسية، ج1، ص35) :
كان عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس بن زيري الملك الثالث والأخير لمملكة غرناطة التي أسسها فرع منحدر من عائلة بني زيري البربرية الصنهاجية، وذلك بعد سقوط الخلافة الأموية بقرطبة.
ولد في سنة 447هـ / 1064م؛ وعين عند وفاة أبيه بلقين سيف الدولة في عام 456هـ/1077م، بينما أصبح أخوه تميم المعز أميرا مستقلا في مالقة، ولم تكن دولة الأمير عبد الله إلا سلسلة طويلة من الاضطرابات مع ملك قشتالة «ألفونش» السادس.
وساهم عبد الله في وقعة الزلاقة ومحاصرة حصن لييط عند تدخل المرابطين في إسبانيا. لكن اتفاقاته مع الملك النصراني أدت به إلى ضياع عرشه، فقد جاء الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين لمحاصرته في غرناطة عام 483هـ / 1090م، فاضطر إلى أن يسلم نفسه إليه، فعزل عن ملكه وأرسل إلى المنفى بمدينة أغمات، في جنوب المغرب الأقصى، حيث انتهت حياته.
أما كتابة عبد الله لمذكراته، فقد كانت أثناء إقامته الإجبارية في أغمات. وإن هذه الترجمة الشخصية تكون أعظم مجموعة وثائق نملكها عن تأريخ ملوك الطوائف وأقلها تحويرا، كما نستطيع أن ندرك ذلك بسهولة. وعلى الرغم من الاستطرادات الطويلة التي يحاول فيها المؤلف أن يبرر موقفه السياسي أمام الأخطار التي كانت تهدم مملكته، فإن كتاب التبيان يقدم لنا سردا مفصلا لجميع الحوادث التي أدت إلى استيلاء ألفونش السادس على مدينة طليطلة عام 487هـ/1085م وإلى تدخل المرابطين في شبه جزيرة إيبريا في السنة التالية.
كما أن مذكرات عبد الله هي وثيقة سيكولوجية من الطراز الأول، يساعد بصورة أفضل من كتب التأريخ التي ألفت من بعد، على الحكم إلى حالة الانحلال الاجتماعي والسياسي في الأندلس قبل معركة الزلاقة وبعدها، وعلى التقدم الذي حققه في هذا الوقت أنصار استرجاع إسبانيا المسلمة إلى النصرانية. ومن جهة أخرى، إن قص الحوادث السابقة على حكم الأمير عبد الله نفسه هو أيضا أمر جديد وهام جدا. ويجب إذا أن نعتبر مذكرات ملك غرناطة كدليل مرشد لتأريخ الطوائف الغامض، وذلك ابتداء من العصر الذي تنتهي فيه مؤلفات ابن حيان.
إن مخطوط مذكرات عبد الله يحتوي في مجموعه على 80 ورقة من القرطاس السميك ومن القطع الكبير (23 × 31). وهو مسجل في مكتبة جامع القرويين بفاس تحت رقم 1886. خطه من الخط المبسوط الأندلسي. والنسخة على العموم في حالة جيدة عدا ورقتين ممزقتين جدا.
وقد أرفقنا مع النص ملحقين يحتويان على فقرات غير منشورة من كتاب “البيان المغرب” لابن عذاري المراكشي، ومن كتاب “الإحاطة في تأريخ غرناطة” لابن الخطيب، يتعلق هذا الذيل بالأمير عبد الله نفسه وبشخصيتين هامتين في دولته.

باريس 62 يونيه 1955 م

نقلاً عن: مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغرناطة، المسماة بكتاب التبيان، نشر وتحقيق ليفى بروفنسال، تقديم سليمان العطار، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة.