يعود الوجود الإسلامي في فرنسا، أقرب دول أوروبا لشبه الجزيرة الأندلسية، إلى الفتح الإسلامي. وكان الأندلسيون يسمون الأراضي الأوروبية وراء جبال البرانس (Pyrennees) ب”الأرض الكبيرة”. وقد أرسل المسلمون عدة حملات استكشافية إلى الأرض الكبيرة؛ الأولى سنة 714م بقيادة طارق بن زياد، خرجت من طرطوشة فبرشلونة فنربونة (Narbonne) إلى أبنيون (Avignon) على نهر الرودانة (Rhones)، وتابعت مجرى النهر إلى حصن ليون    (Lyon)ثم رجعت إلى الأندلس. والثانية سنة 715م. فتحت أربونة وقرقشونة (Carcas sonne)، وألحقت منطقتيهما بالأراضي الأندلسية. والثالثة سنة 719، بقيادة السمح بن مالك الخولاني، خرجت من برشلونة وركزت فتح أربونة وقرقشونة، واتجهت نحو طلوشة (Toulouse)، فاستشهد السمح على أباب المدينة سنة 721، ورجع الجيش إلى برشلونة. والرابعة سنة 725م، بقيادة عنبسة بن سحيم الكلبي، اتجهت من أربونة إلى نيمش (Nimes)، ففتحتها وضمتها للأراضي الإسلامية، ثم اتجهت على ضفاف وادي الرودانة إلى حضن ليون، ثم تابعت مجرى نهر الصون إلى مدينة أوتان (Autin) ثم إلى بلدة سانس (Sens) على بعد مائة كيلومتر شرق باريز، ثم اتجهت الحملة إلى شالون (Chalon) وديجون (Dijon) ولانغرس (Langres) قبل أن ترجع إلى الأندلس عن طريق وادي الصون والرودانة. والحملة الخامسة سنة 732هـ، بقيادة عبد الرحمان بن عبد الله الغافقي اتجهت من بنبلونة عبر مضيق روسنفو بجبال البرت إلى برديل (Bordeaux) ثم إلى بواتيه حيث استشهد عبد الرحمان الغافقي في معركة بلاط الشهداء في شهر رمضان سنة 114هـ (أكتوبر سنة 732م)، عشرون كيلومترا شمال المدينة، فرجع الجيش إلى أربونة. والحملة السادسة سنة 734م، بقيادة يوسف بن عبد الرحمان، إلى أربونة، ثم اتجهت من أربونة ففتحت مدينة آرلس (Arles) ثم سان رمى ثم أبنيون وضمتها لأراضي الأندلس، ثم تابعت الحملة مجرى نهر الدورانس شرقا نحو جبال الألب، ورجعت الحملة بعد أربع سنوات إلى أربونة.

       ثم استرجع الإفرنج الأراضي التي فتحها المسلمون في الأرض الكبيرة ابتداء من أبنيون، ثم أربونة سنة 751م بعد 36سنة من الوجود الإسلامي، ثم قوقشونة سنة 759م بعد    44 سنة من الوجود الإسلامي. وبهذا انقضى الوجود الإسلامي الأندلسي المباشر الأول في فرنسا.

      وفي سنة 236هـ (ـ850م) أرسل عبد الرحمان الناصر جيشا بقيادة عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني في حملة تأديبية ضد الإفرنج وصلت إلى مدينة أربونة. ثم تتابعت حملات البحارة الأندلسيين على الشواطئ الفرنسية، ضد آرلس سنة 843م و850م، ضد نيس سنة وتولولن، بين سنتي 891 و894م، وتوسع الجيش الأندلسي إلى أن كون دويلة أندلسية بحرية امتدت على جبال الألب سنة 933م، وتوسعت إلى أن ضمت أراضي فرنسية وإيطالية وسويسرية، ولم تقض عليها الحملات الصليبية المتواصلة إلا سنة 973م بعد 82سنة من تأسيسها.

انبعاث الإسلام في الأندلس، الدكتور علي المنتصر الكتاني، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت 2005.