يعود التأثير الأندلسي في فرنسا إلى حقبة ما بعد سقوط غرناطة وطرد سنة 1609م. وفي سنة 1611م زار الشهاب الحجري فرنسا على رأس سفارة لسلطان المغرب، من ميناء آسفي، وتحدث عن وجود قاض للأندلسيين في المجلس الملكي الفرنسي، مركزه في سان جان دولوس )ببلاد الباسك الفرنسية(، يختاره الملك من بين النصارى ليقضي بين الأندلسيين في نزاعاتهم ولأخذ خمس أملاك أغنياءهم لصرفها على فقرائهم. وتبين الوثائق الفرنسية تفاصيل عن الموريسكيين في فرنسا في القرن السابع عشر، منها رسائل حول موضوع إنجاز قرار برلمان إكس البروفانس بطرد اللاجئين الموريسكيين تظهر أنه سمح لعدد كبير منهم بالإقامة حول تولون، جنوب فرنسا، وإعفائهم من الطرد بحجة أنهم نصارى مخلصين.

    وتبرهن أحداث القرن السابع عشر أن معظم موريسكيي فرنسا بقوا مسلمين سرا. فمثلا، كانت توجد ثلاث فئات بين الأوروبيين المسلمين ذو النفوذ في طرابلس الغرب في أواخر القرن: إيطالية، ويونانية، وفرنسية من منطقتي تولون ومرسيلية حيث استقر الموريسكيون، مما يوحي أن فرنسيي هم أحفاد الموريسكيين الذين رجعوا إلى الإسلام. كما انتقل عدد من فرنسيي منطقتي اللانكدوق والروسيون )منطقتي هجرة المورسكيين كذلك( إلى تونس وأعلنوا إسلامهم، منهم الرئيس شعبان دي مارتيغة (Martigues) الذي ولد في سرينيان (Serignan) سنة 1589م، وانتقل إلى تونس سنة 1604م حيث أعلن إسلامه، وقبض عليه النصارى في صقلية سنة 1619م وحاكموه في محاكم التفتيش.
وفي غشت سنة 1668م، قدم ثلاثة تجار من أصل أندلسي من بوردو إلى مرسيلية للإبحار إلى الجزائر، فقبضت السلطات على واحد منهم مع 18 من ذويه. فأقر أن موريسكيي فرنسا )أكثرهم بالانكدوق غوايان والنورماندي( يخفون الإسلام ويتظاهرون بالنصرانية، وأن مئات منهم يهاجرون سنويا إلى شمال إفريقيا بأبنائهم ونسائهم. وقد اشتكى قناصلة فرنسا، خاصة في الجزائر وتونس وطرابلس، من هذه الهجرة الفرنسية … وقد حاولت السلطات الفرنسية إرغامهم على التنصير، كما قبضت في شهر نوفمبر عام 1668م على مورسكي آخر و 20 من ذويه، بما فيهم النساء والأطفال، حاولوا التوجه من فرنسا إلى بلاد الإسلام، فمنعتهم وشتتهم في فرنسا.
وفي سنة 1677م، خرج بدرو الباسكوني، وهو مورسكي من بوردو حيث ولد، من طرابلس إلى تافلالت ومراكش، واستقر في طنجة كصوفي مسلم. وفي سنة 1700م، هرب بروتستنتيان من روان وليزرو إلى الجزائر واعتنقا الإسلام وتزوجا بمسلمتين، ومن المحتمل أنهما كذلك من أبناه الجالية المورسكية المستقرة في النورماندي. نرى إذن أن معظم الفرنسيين الذين هربوا إلى شمال إفريقيا في القرنين السابع والثامن عشر وأعلنوا إسلامهم، هم من أصول أندلسية أو من المناطق الفرنسية ذات السكن المورسكي. ويجوز التساؤل عن وجود ذكرى جماعية إسلامية في مناطق السكن المورسكي، خاصة أن كثير من معتنقي الإسلام المعاصرين في فرنسا، بما فيهم المفكر روجي كارودي، هم من تلك المناطق.
وبصفة عامة توجد في فرنسا اليوم عائلات كثيرة ذات أصول أندلسية واضحة ومعروفة منها: عائلة غراندي (Grandet) وجعفري (Jafari) وبسطي (Basti) وكيلس (Quiles) التي تعادلها اسكيرج في تطوان، وغيرها من الأسماء.

انبعاث الإسلام في الأندلس، الدكتور علي المنتصر الكتاني، دار الكتب العلمية، بيروت 2005