أظن أن إسبانيا تلك المرحلة، التي قامت كحقيقة متميزة في أوروبا، يمكن أن تجد رمزيتها ممثلة أحسن تمثيل في نموذجين بشريين ربما لا مثيل لهما في تاريخ أوروبا: نموذج المولد ونموذج المدجن. الإثنان، رغم كونهما يشكلان أقلية، يبدوان كوجهي عملة واحدة: عملة الحدود، عملة إسبانيا الحدودية.

        المتعرب، كما هو معلوم، هو المسيحي المعرب الذي بقي في الأراضي الواقعة تحت سيطرة المسلمين؛ أما المدجن فهو المسلم المخضوع، “المستتبع” الذي بقي في الأراضي الواقعة تحت سيطرة المسيحيين. وإذا كانت لفظة “mozarabe” بالإسبانية تعني “متعرب”، فإن mudejar”” مشتقة من لفظة عربية تعني ليس “المخضوع” فقط، وإنما كذلك “المتخلف”، أو “الباقي”؛ أي المسلم الذي بقي في الأرض التي ولد بها، في أرض آبائه، في أرضه، ولو أن هذه وقعت تحت احتلال المسيحيين في تقدمهم البطيء ضمن حملة الاسترداد. شخصيا، يبدو لي أن الموقفين يتحدان في شيء لم يتوقف عنده الكثيرون رغم كونه واضحا للعيان: إنه ارتباط هؤلاء بالأرض، تمسكهم بها ولو على حساب العيش تحت دينها أحيانا. ثمة صلة سنسميها أرضية كانت تمنعهم من مغادرة هذا الفضاء المادي الذي يعتبرونه ملكا لهم. وعليه، تبلورت في هذه الأقليات سبل عيش مميزة لإسبانيا ذات الوجهين، التي تثير لدينا كل هذه التساؤلات. فإذا كان المتعربون والمدجنون يعتبرون أن الأرض التي يعيشون فوقها هي ملك لهم فلأنها كذلك بالفعل. لا يعقل أن نقول إن متعربي قرطبة أو طليطلة ومدجني أراغون أو قشتالة لم يكونوا “إسبانيا”، مع العلم أنهم وآباؤهم وأجدادهم وأسلافهم ولدوا في إسبانيا على امتداد قرون من الزمن؟ (طبعا، هذا يحيلنا مجددا على سؤال كبير: ما هي إسبانيا وما معنى إسباني؟)

        أكيد أنهم كانوا أقلية، كما أسلفت الذكر. وأكيد أيضا أن الكثير من المتعربين ممن كانوا متضايقين ومضايقين في المنطقة المسلمة عبروا تلك الحدود الغامضة بين الإسبانيين واستقروا في الجهة المسيحية؛ مثلما عبرها الكثير من المدجنين، في الاتجاه المعاكس، ممن طردوا من هذه الأخيرة ليلتحقوا بأرض الإسلام. ولكن هؤلاء وأولئك معا كانوا خير الممثلين للتناضج المتبادل الذي حصل بين العالمين “الإسبانيين”، ويمكننا بذلك أن نسوقهم كنموذج لمفتاح من المفاتيح لفهم إسبانيا. وإذا كان هؤلاء وأولئك يعتبرون الأرض الإسبانية أرضهم (هم وغيرهم بالطبع، ولكنهم كانوا الأكثر تشبعا بكنه “الآخر”، زمن ثم الأفضل تمثيلا لإسبانيا التعددية) فلأن لا هؤلاء كانوا “غزاة محتلين” بالكامل ولا أولئك كانوا “مستردين رافعين الاحتلال” بالمعنى الدقيق. “غزو” و”احتلال” و”استرداد”؛ ألا ينبغ، في هاته الحالة، إعادة النظر في هذه الكلمات على ضوء العدد الهائل من الحالات “الحدودية”، “الهجينة” في إسبانيا القروسطية؟

        وفيما يخص المتعربين، يمكن تقديم تأمل آخر حول شيء معروف جدا ولكنه لا يؤخذ دائما بالاعتبار المطلوب. ولعل هذا التأمل سيساعدنا على تقدير أفضل لحجم دخول العنصر العربي-الإسلامي في الحياة الإسبانية، وكذا التعقيد الهائل الذي عرف به المجتمع الهسباني وقتئذ. ويتعلق الأمر بما يلي: في القرن الميلادي التاسع وبقرطبة تحديدا، كان المتعربون، من جهة، شهادة على بقاء العقيدة المسيحية واستمرارها أمام العالم الإسلامي المحيط بها، رغم أن ذلك كان غالبا ما يحصل بفضل تسامح الإسلام نفسه معهم. كان هؤلاء المتعربون يحفظون الطريقة الإسيضورية (نسبة إلى القديس إسيضورو) المستقيمة من أيام إسبانيا البيزنقوطية بشكل حماسي ومثير للإعجاب من أي تحريف أو إفساد. إلا أن انبهار المتعربين، من جهة أخرى، أمام الثقافة العربية كان جليا والتأثير الذي كانت تماريه هذه الثقافة في الأجيال الشابة من “الأندلس” كان لا ملموسا فحسب، وإنما استلابيا تقريبا. وقد ضمن ألفارو ذي كورضوبا (القرطبي، المتوفي عام 861م)، وهو أحد كبار شخصيات التعرب المسيحي في ذلك القرن، كتابه “الفهرس المبين لتنبيه الغافلين” طعنا لاذعا ضد تعريب الشبان المسيحيين القرطبيين، الذين كسبهم تفوق الثقافة العربية فتخلوا عن التحدث باللاتينية، أو اللغة “الرومانثية” الهسبانية الناشئة، ليتفرغوا ل”الاستعمال الأنيق لفخامات الجهبذة الكلدانية”، أي اللغة العربية. وكان القديس إيولوخيو ذي كورضوبا الذي كان ألفارو ذي كورضوبا طالبا عنده ثم صديقا له وترجمانا لسيرته، قد امتدح عاصمة الخلافة، قرطبة، بأسلوب يمزج بين تحفظ المسيحي القلق واعتزاز المواطن القرطبي المبهور. لقد انتصب الإسلام أمام هؤلاء القرطبيين المسيحيين، الموضوعين بين سيف وجدار وفائهم الديني من جهة وإعجابهم الثقافي من جهة أخرى، على شكل “غواية هائلة أو تهديد فاجع”.

جنوبي طريفة.. المغرب وأسبانيا، ألفونصو ذي لاسيرنا، ترجمة إسماعيل العثماني،  دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط