في سنة 1690م )1102هـ(، أرسل مولاي إسماعيل، سلطان المغرب، سفيره الوزير محمد بن عبد الوهاب الغساني إلى كارلوس الثاني، ملك إسبانيا، لمعالجة موضوع افتكاك مائة أسير نصراني، وأرسل معه رسالة يقول فيها: «وذكرونا )العلماء( في مسألة غدر أسلافكم بأهل غرناطة وغيرهم، وهي لما يزيد على الأربعين ألفا بعد تعدد الشروط على ستين شرطا، ولم يوفوا لهم بواحد منها، إلى غير ذلك من الغدر والمكر بأهل غرناطة وغيرهم من أهل الأندلس، في كل بلد وقرية، فألفيناهم ما تكلموا إلا بالحق”. لذلك حدد مولاي إسماعيل شرطه لإطلاق سراح الأسرى النصارى بأن: “تعطونا في الخمسين نصرانيا من هذه المائة خمسة آلاف كتاب. . . وتعطونا خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى”. وقد فشل الغساني في الرجوع بالكتب بحجة احتراق قصر الأسكوريال الذي كانت الكتب العربية مخزونة فيه، واكتفى بالرجوع بالأسرى المسلمين، لكن الغساني سجل رحلته في كتاب، نقل فيه ما عاينه بنفسه من الوجود الإسلامي ثمانين سنة بعد الطرد في عدة مدن أندلسية.

         ففي البريجة )مقاطعة إشبيلي (، ذكر الغساني أن فيها “انتسب لنا البعض إلى الأندلس )أي المسلمين( بإشارة خفية لم يقدر على التصريح بغير كلام خفي، والغالب على جل سكانها أنهم من بقايا الأندلس إلا أن العهد طال عليهم وربوا في بحبوحة الكفر، فغلبت عليهم الشقاوة والعياذ بالله”.

         وفي أطريرة )مقاطعة إشبيلية(، التقى الغساني ببنتين من سلالة بني الأحمر، ملوك غرناطة، عن طريق أمهما، إحداهما بنت القاضي والأخرى بنت حاكم البلد، كما التقى بأهلهما في مجريط، عاصمة إسبانيا، إذ قال: «ولقد أخبرني بمدينة مدريد رجل يسمى ضون ألونص، حفيد موسى أخي السلطان حسن المتغلب عليه بغرناطة، أن البنتين بأطريرة من دمه، وضون ألونص هذا رجل حسن الأخلاق، حسن الثياب، له قوة وشجاعة معروفة عند النصارى، وهو معدود من فرسانهم وشجعانهم. . . ومع هذا فهو مائل إلى من تلقاه من أهل الإسلام، ويذكر نسبه، ويعجبه ما سمعه من الحديث عن الإسلام وأهله».

         وعن مرشانة )مقاطعة إشبيلية(، يقول الغساني إن معظم سكانها من سلالة المسلمين القدماء.

         وعن أندروجر )مقاطعة جيان(، يقول الغساني: «والغالب أنهم أهلها من بقايا الأندلس، وجلهم من أولاد السراج الذين كانوا انتصروا على السلطان أبي الحسن آخر ملوك غرناطة».

         وقال الغساني إنه بينما كان يفتخر بعضهم بأصله الإسلامي، يتنبأ آخرون من هذا الأصل ويدعون النسبة إلى نبارة. وقال الغساني إن الموظفين من الأصول الإسلامية الذين لقيهم في المراكز العامة، لا يخفون أصولهم ويعتزون بها. ثم قال: «إن من يكون من نسل هؤلاء القوم الذين تنصروا أن يرث عمل الصليب على كتفه برحمة في ثوبه المتدثر به. . . والخطط التي يتولونها بقايا هذا الجنس المذكور هي الكتابة وحكمة البلدان والشرطة وغيرها، مما ليست له وجاهة كبيرة وولاية شنيعة، مثل التصرف في المحال أو الولاية للأقاليم الكبيرة ة والمدن والقواعد مثل إشبيلية وما شاكلها. وعلى كل حال فهم في هذه النواحي كثيرون لا يحصون، فمنهم من ينتسب، ومنهم من ينفر من سماعه الانتساب ذلك».

انبعاث الإسلام في الأندلس، الدكتور علي المنتصر الكتاني، دار الكتب العلمية، بيروت، 2005