تعتبر حفلات الزواج من أهم المظاهر الاجتماعية العائلية عند الإشبيليين، حيث يقيمون الحفلات بمناسبة الزواج، ووجدت زوجات حرائر والكثير من المحضيات وأمهات الولد، واستكثر منهن الحكام والوزراء والكثير من أغنياء إشبيلية.

    وجرت العادة أن يسبق الزواج اختيار العروس عن طريق الخاطبة التي تقوم بخطبة إحدى بنات الأسر بعد أن يتم اختيارها من قبل أهل العريس، أو أن تذكرها الخاطبة لهم، وبعد موافقة عائلة العريس والعروس على الزواج، يدفع العريس مكافأة للخاطبة وهذه المكافأة تختلف قيمتها حسب إمكانيات العائلة المادية، كما تقدم عائلة العروس للخاطبة هدية مالية وكسوة بعد إتمام الخطبة والزواج.

    وتصحب الزواج مظاهر اجتماعية محببة إلى نفوس الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، ويتمثل ذلك في الاحتفالات التي تقام ابتهاجا بهذه المناسبة، فالقران يعقد في حفل بهيج يحضره المدعون من الأهل والأقارب والأصدقاء، وقد نظم بعض الشعراء أزجالا يصف فيها ليلة الزفاف وتسمى عند الإشبيليين باسم “الجلو”، فالعروس تتزين وترتدي أغلى ثيابها وأجملها، التي تعد خصيصا لتلك المناسبة، وتضع العروس على رأسها تاجا.

   وتصحب حفلات الزواج الإشبيلي أنواع كثيرو من الأفراح واللهو مثل حفلات الغناء والرقص الذي يتمثل في رقصة الخيول ورقص الشباب، بالإضافة إلى الرقص النسائي، وقد منع المحتسب في إشبيلية الراقصات في حفلات الزواج من كشف رؤوسهن أمام الشباب والرجال.

   كما أن أهل العروس يؤجرون الملهين وأصحاب النوادر لتسلية المدعوين في ليلة الزفاف، كما تدق الطبول، ويعزف على العود وغيره من الآلات الموسيقية التي تكثر في إقليم إشبيلية.

   وكان أهل العروس يجهزونها بما يتناسب ومكانتهم الاجتماعية وإمكانياتهم المادية، ويتباهون بابنتهم العروس، كما أن العروس نفسها تتباهى أمام قريناتها بأن جهازها متروك لأهلها الذين يتولون إعداده.

   ويعرف جهاز العروس في الأندلس باسم المشورة أو الشوار، ويشمل اللباس والمتاع، وكانت بعض الأسر الفقيرة تستعير بعض اللباس والحلي للعروس من النساء الثريات. ويشترط في إتمام زواج المسلمين أن يعقد القران بحضور الزوج والزوجة والولي أو وكيله والشهود، وأن يكون الصداق معلوما ومتفقا عليه من قبل الطرفين، وكان الإشبيليون يختارون لبناتهم الزوج الكفء والكفاءة في الدين كغيرهم من المسلمين في كافة العالم الإسلامي. كما يؤخذ رأي العروس في الزواج، ولا تزوج الفتاة اليتيمة إلا برضاها ولا تجبر على ذلك.

   على أن القاضي والمحتسب كانا يمنعان زواج المتعة لأنه محرم شرعا، وليس فيه عدة في حالة وفاة الزوج، ومن أقدم زواج المتعة فرق بينهما القاضي أو المحتسب، ويعاقب الزوجان والولي والشهود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زواج المتعة واعتبره غير شرعي ويتم في السر، كما يشترط في زواج المسلمين الإعلان عنه.

   أما أهل الذمة في إقليم إشبيلية، بل في كافة العالم الإسلامي، فلهم تقاليدهم الخاصة في الزواج، حيث تقام حفلاتهم في الكنائس والبيع فيعقد على الزوجين من قبل القس المسيحي والحبر اليهودي.

   كما كانت تقام ولائم الأعراس، ويقوم بإعدادها الطباخون الذين يخضعون لمراقبة المحتسب الإشبيلي لضمان جودة ونظافة الطعام الذي يقدم للمدعوين، كما منعهم من أخذ شيء من طعام حفلات الزواج إلا بإذن صاحب الحفلة، إلا إذا اشترط الطباخ شرطا معلوما، أو منحه صاحب العرس بعض الطعام.

   ويتمتع الإشبيليون بأوقات سعيدة عندما يحضرون حفلات الزواج التي تقام على مدار العام في الإقليم، ويفضل الإشبيليون دائما فصل الصيف في إقامة هذه الحفلات، حيث يأتي الكثير من أهل الريف إلى المدن لحضور هذه الحفلات خاصة الكبيرة منها، ولم تقتصر حفلات الزواج على الأهالي فقط بل كان الحكام يقيمون حفلات الأعراس أيضا، وتتصف بالبذخ وحضور حشود كثيرة من المدعوين من كبار رجال الدولة والشعراء وغيرهم.

الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إقليم إشبيلية، د. منيرة عبد الرحمان عامر الرميح، مكتبة المتنبي، الرياض 2011.