في السبعينات من القرن الميلادي العشرين عقد رهبان مسجد قرطبة (الكاتدرائية)، برئاسة مطران قرطبة، لقاء دعوا له مسلمين من المغرب والمشرق، وقالوا إنه حوار بين الإسلام والمسيحية، وإنهم نظموه من تلقاء أنفسهم لم يستشيروا فيه مع الفاتيكان! وقالوا إنهم يعترفون بأن محمدا رسول الله حقا وصدقا، وإنه صادق أمين، وإنهم يعترفون بأنهم كذبوا عليه، وشوهوا سمعته، ونسبوا إليه ما هو صلى الله عليه وسلم منه برئ، وإنهم فعلوا ذلك بعد أن لاحظوا أنه لم يبق في شمال إفريقيا نصراني واحد، فحتى لا يقع في الأندلس ما وقع في بلدان المغرب فعلوا ما فعلوا. وقالوا إنهم يعترفون أن عندهم في دينهم أشياء غير معقولة تلقوها عن قدمائهم، فهم يؤمنون بها من غير أن يفهموها. كما أن عند المسلمين في دينهم أشياء يعترفون بأنها غير مفهومة. ثم اقترحوا على المسلمين أن يلغوا فكرة الجهاد حتى يمكن للنصارى أن يتعايشوا مع المسلمين. ثم أذنوا للمسلمين بصلاة الجمعة في مسجد قرطبة لأول مرة من استيلاء النصارى عليه. ذلك ما وعته ذاكرتي من مقال نشرته مجلة «العربي» الكويتية، ولست أدري بماذا أجاب المسلمون الحاضرون.

         ولعل من المناسب أن أذكر رأس الإسلام في بعض ما قاله الرهبان: إن ما وقع في إفريقيا الشمالية (المغرب العربي) بعد الفتح الإسلامي، من تخلي السكان عن النصرانية حتى لم يبق في البلاد نصراني واحد، فمن المقطوع به أن ذلك لم يكن ناشئا عن جهاد ولا ضغط ولا إرغام، وإنما كان أمرا تلقائيا، يمكن البحث عن سببه أو أسبابه خارج نطاق الجهاد والإكراه. ولعل من أسباب ذلك ما يتحدث عنه هذا الكتاب من صمود جماعة من مسلمي الأندلس طوال خمسمائة عام متمسكين بإسلامهم مستهينين بالأهوال.

من تقديم العلامة إبراهيم الكتاني، لكتاب انبعاث الإسلام في الأندلس، لمؤلفه الدكتور علي المنتصر الكتاني، دار الكتب العلمية_بيروت 2005.