لم يكن أمراء الأندلس حكاما عواما، بل كانوا من أبرز الفاعلين في صيانة وحدة الفكر والتشريع في ممالكهم؛ حيث شاركوا في مهمة التصدي للتيارات المخالفة بالقلم واللسان، ولم يتأخروا في هذا الميدان عن النخب الفكرية وعن عامة أفراد المجتمع. ومن حسن حظ أمراء الأندلس أن المؤرخين حفظوا لنا جانبا كبيرا من أخبارهم الثقافية واهتماماتهم الفكرية؛ حيث تحدثنا المصادر عن أمراء كانت لهم رحلة للمشرق وكان لهم فضل إدخال بعض الكتب للأندلس؛ مثل: محمد بن معاوية بن عبد الرحمن. كما تذكر دراسة بعض الأمراء على يد كبار العلماء؛ مثل أبناء عبد الرحمن الداخل الذين تتلمذوا على يد الغازي بن قيس. ودراسة عبد الرحمن الناصر وولي عهده الحكم وباقي أبنائه على يد قاسم بن أصبغ. وتذكر تباري أبناء الأمراء في طلب العلم وجمعه، مثل الحكم المستنصر )350_366هـ ( و)مكتبته الشهيرة التي ضمت أكثر من أربعمائة ألف مجلد ووصل عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب إلى أربع وأربعين فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط(.

وقد أقام الحكم المستنصر للعلم والعلماء سوقا نافقة جلبت إليها المعارف من كل قطر؛ فكان يستجلب المصنفات من الأقاليم والنواحي باذلا فيها ما أمكن من الأموال، حتى ضاقت عنها خزائنه، وكان يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس مالم يعهدوه، وبعث في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني، وكان نسبه في بني أمية، وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين، فحصل على نسخة منه قبل أن يخرجه مؤلفه إلى العراق، وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، وأمثال ذلك. كما قاموا باستدعاء علماء المشرق للقدوم إلى ممالكهم وأغروهم بالمال والمناصب؛ مثل استدعاء الخليفة الناصر لأبي علي القالي باعث النهضة اللغوية بالأندلس، واستدعاء المنصور ابن ابي عامر لصاعد بن الحسن الربيعي البغدادي.

كما شارك الأمراء في حركة التأليف؛ حيث تذكر المصادر كتابا لعبد الله بن الناصر بعنوان )العليل والقتيل في أخبار ولد العابس( وقد كان هذا الأمير يميل إلى بقي بن مخلد لهذا ألف كتاب )المسكتة( في فضائل بقي بن مخلد. ولا ننسى الحكم المستنصر وتعاليقه على الكتب التي أخذ بها أهل التاريخ والتراجم. وأسهموا في تشجيع حركة التأليف عن طريق دعوة بعض الكتاب إلى التأليف في مواضيع معينة؛ مثل كتاب )العقد( لابن عبد ربه الذي ألفه للحكم بن عبد الرحمن، ومحمد بن حارث الخشني الذي ألف للمستنصر كتبا كثيرة منها كتابه في )الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك(، وكتابه في )التحاصر والمغالاة(، و)كتاب الفتيا(، وكتابه في )تاريخ علماء الأندلس(، و)تاريخ قضاة الأندلس(، و)تاريخ الأفريقيين(، وكتاب )فقهاء المالكية(، وكتاب )الاقتباس(، وغير ذلك.

 

معالم التفكير الإسلامي في المغرب والأندلسمن النقل والتكوين إلى المشاركة والإبداع

الجزء الأول، إعداد يوسف بنلمهدي ومحمد القاضي، رئيس التحرير د. عبد الله نعمان الحاج،إصدارات المجلة العربية، الرياض.