كانت واقعة وادى لكة في رمضان سنة 92هـ (يوليو سنة 711م) نصرا حاسما لجيوش الإسلام الظافرة، مهدت للمسلمين السيطرة الشاملة على سائر أنحاء شبه جزيرة إبارية، باستثناء منطقة جبلية تقع في أقصى الشمال الغربي من قنطابرية على خليج بسكاية، كانت تعرف عند العرب باسم صخرة بلاى، فرت إليها جماعة من القوط وبقايا الأيبيريين الرومان وأقاموا بها زمنا ينتظرون أن تواتيهم الفرصة ليجمعوا شملهم، ويستردوا وطنهم، واستهون المسلمون أمرهم، فتركوهم وشأنهم، وانصرفوا هم إلى منازعاتهم الداخلية، ولم يدر هؤلاء الفاتحون أنه من هذه المنطقة الجبلية انطلقت أول الحركات المناهضة للإسلام في إسبانيا، والتي كانت تهدف إلى استرداد البلاد وتحريرها من الحكم الإسلامي.

وجاءت اللحظة التي انقسم فيها المسلمون على أنفسهم، ودبت في صفوفهم عوامل الخلاف والفرقة، فثار البربر على العرب، وهجروا المناطق الجبلية الباردة التي تركها لهم العرب في أقصى الشمال، وانحدروا نحو الجنوب الذي اختص به العرب دونهم حيث الخصب والدفء والحياة. وهنا شرع القوط وبقايا الأيبيريين الرومان في استغلال الفرصة، وخرجوا من كهوف الجبال، وأخذوا يحتلون الأراضي التي تركها البربر وراءهم، وتم ذلك على نحو تجاوز كل تقدير في الحسبان، دون أن يتنبه المسلمون لحركتهم، لانصرافهم إلى خصوماتهم القبلية ومنازاعتهم العنصرية، وقويت بذلك شوكة نصارى إسبانيا في الشمال، وتكاثرت أعدادهم، وثبتت أقدامهم، وعزموا عزما أكيدا على استرداد وطنهم. وهنا تنبه المسلمون إلى الخطر الجاثم، وأعلن ولاتهم الجهاد لمدافعة النصارى، والوقوف أمام حركتهم التي كانت ترمي إلى طرد المسلمين من الأندلس. ولكن تنبههم جاء متأخرا، بعد أن انتصر بلاى وأصحابه على جيوش المسلمين بقيادة ابن عملقة اللخمى في كوفادونجا Covadonga أو مغرة أونجا، وانهزمت جيوش المسلمين هزيمة نكراء، وقتل ابن علمقة اللخمى، وارتد المسلمون إلى استرقة، وتقدمت جيوش بلايه واستردت ما كانت قد فقدته من قبل أيام عقبة بن الحجاج السلولى وإلى الأندلس ما بين عامي 116، 121هـ. (734_739م). ويعتز الإسبان بهذه الموقعة، ويجعلونها بداية موفقة لحركة المقاومة المسيحية في شبه الجزيرة، تلك الحركة التي انتهت بإعادة البلاد إلى النصرانية بعد مضى ثمانية قرون من صراع مرير.

وهكذا نجح بلايه في تأسيس مملكة أشتوريش الصغيرة التي كانت إيذانا بمولد الإمارات المسيحية في شمال الأندلس، واتسعت مملكة أشتوريش الصغيرة، وأخذت تضم إليها المناطق الشاسعة التي هجرها المسلمون منذ ثورة البربر التي أجلوا فيها العرب من جليقية واسترقة والمدن الواقعة خلف الجبال، وانتهزوا الفتنة التي حدثت بين أبى الخطار وثوابة بن سلامة الجذامى، وضموا المناطق التي هجرها سكانها المسلمون في ليون وسمورة وشلمنقة وشنت مانكش وشقوبية وآبلة وغيرها. وتم ذلك على يدي الملك ألفونسو الأول (739_757) الذي يسميه العرب أذفونش بن بطرة، ويسميه لسان الدين بن الخطيب بالقاطوليقي أي الكاثوليكي، وأصبحت منطقة الثغور أي الحدود التي تفصل ملك المسلمين عن ملك النصارى قبل تأسيس دولة بني أمية في الأندلس تبدأ من بنبلونة في الشمال الشرقي وتنحدر إلى تطيلة ثم وادى الحجارة ثم هنارس ثم طليطلة ثم طلبيرة ثم قورية وتنهى عند قلمرية.

تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، من الفتح العربي حتى سقوط الخالفة بقرطبة، الدكتور السيد عبد العزيز سالم، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1998.