في الفصل الرابع والخمسين من رواية ضون كيخوطي دي لا مانشا لأمير البيان الإسباني ميغيل دي سيرفانتيس، يجري حوار ل “سانشو بانثا”، خديم الكيخوطي مع أحد الموريسكيين، يتحدث فيه هذا الأخير عن نفسه كأحد الذين شملهم الطرد النهائي في 1609/1610، فيروي أنه ذهب إلى فرنسا وألمانيا وإفريقيا ولكنه عاد إلى بلده للحفر على كنز يضم كل مدخراته النفيسة. وفي جملة حوارية وردت على لسان ريكوطي، وهو اسم الموريسكي المشار إليه، نجد المتحدث يقول إنه بعد القرار الذي صدر من الملك “في حق أمتنا” “تشردنا في البلدان ولم نجد معاملة طيبة في أي مكان”. ولكنه يذكر أن ألمانيا تتميز بالتسامح لأن حرية العقيدة سائدة هناك. وفي هذا الفصل من الرواية يذكر “سانشو” أنه بكى لطرد الموريسكيين. ولكنه يعتذر عن مساعدة ريكوطي في الحفر على الكنز، ولكنه رأفة بالموريسكي لا يبلغ عنه السلطات. إنه التعبير عن الحنين إلى الوطن، ولكن في نفس الوقت يجري الحديث عن الانتماء إلى أمة مغايرة. ويتحدث الموريسكي عن الانتماء إلى أمة أخرى رغم أنه يصرح بأنه مسيحي، وإن كان يعترف بأن زوجته وابنته أكثر مسيحية منه. وهو يذكر ذلك لبيان شرعية حقه في العودة. أي أن الدافع هنا وطني في العمق. كما نجد الحديث عن التضامن الإنساني من لدن “سانشو” إزاء محنة الموريسكيين، والحال أن سيرفانتيس كتب روايته في 1615، إذ ورد الفصل المذكور في الطبعة الثانية، أي بعد عشر سنوات من الطرد النهائي للموريسكيين. وبالكلام عن الانتماء إلى أمة مغايرة، رغم اعتناق الدين المسيحي، نجد سيرفانتيس يضعنا أمام إشكالية الدين والهوية الوطنية. إن كلمة مؤمن أي مسيحي  في القرن الخامس عشر كما يلاحظ أميركو كاسترو كانت تعادل كلمة مواطن في القرن الثامن عشر، باعتبار أن الأساس الذي كانت تقوم عليه الدولة من قبل هو الدين. وهكذا فإن مسألة الهوية هنا تؤدي إلى العديد من الالتباسات. والتضامن الذي يبديه سانشو إزاء ريكوطي هو صادر عن مشاعر إنسانية مجردة. ومن جهة أخرى، فإن اعتناق ريكوطي للدين المسيحي وشعوره في نفس الوقت بالانتماء إلى أمة أخرى هو التعبير عن الأمة كمحتوى ثقافي عرقي.

محمد العربي المساري، إسبانيا الأخرى، تقديم حسن أوريد، منشورات دار الأمان، مطبعة الكرامة-  الرباط، 2015.