يتميز ” تاريخ حكم العرب لإسبانيا” بكونه  أول كتاب جامع ألفه باحث مؤرخ إسباني عن تاريخ الأندلس، بل له فضل الريادة على اعتباره أول مؤلف أوروبي يقدم عرضا متكاملا لتاريخ الأندلس الإسلامية، يعتمد فيه صاحبه للمرة الأولى في تاريخ الاستشراق الإسباني على مصادر مخطوطة عربية أصيلة كانت محفوظة في مكتبة دير الإسكوريال، ومن أشهرها مخطوطات الخزانة الزيدانية.

ولد مؤلف الكتاب خوسيه أنطونيو كونده إي في كوينكا عام 1766، وتلقى تعليمه في جامعة القلعة Alcala. ابتدأ مسيرته العلمية بدراسة بعض النصوص اليونانية الكلاسيكية، وبنشره لكتاب Anacreon عام 1791 حصل على منصب في المكتبة الملكية عام 1795. وتابع العمل على نصوص إغريقية أخرى، تلتها عام 1799 نشرته ل”وصف الأندلس” للإدريسي بالعربية، مع ترجمة إسبانية وتعليقات، وكان هذا مبدأ اهتمامه بالتراث العربي المخطوط، فغدا من أوائل المستشرقين الأوروبيين الذين نشروا نصوصا بالعربية. وكانت وفاته عن 54 عاما في مدريد، فقيرا معوزا، في 12 يونيو عام 1820، فتكفل بدفع نفقات جنازته بعض أصدقائه من الباحثين الإسبان والأميركان.

أما كتابه “تاريخ حكم العرب في إسبانيا”، فقد نشر بمدريد عامي 1820-1821، لكنه لم يتح له أن يتم غير الجزء الأول منه قبل وفاته، ثم تابعه من بعده استنادا إلى أوراقه المكتوبة بخط يده الباحث خوان تينيو. وتمت ترجمة الكتاب إلى الألمانية عام 1824-1825، وإلى الفرنسية 1825، والإنجليزية عام 1854.

وأول ما يلفت النظر في الكتاب التقدير الكبير للحضارة الأندلسية، والصورة المشرقة التي يقدمها للوجود العربي في إسبانيا، إلى حد الإلحاح على المقارنة بين ما بلغته بلاده في ظل الحكم الإسلامي من تقدم وازدهار، وما آلت إليه في أيامه من تخلف حضاري وثقافي. ونقرأه عند كوندي حول الحضارة الأندلسية ما يلي: “وهكذا اختفى من الأرض الإسبانية إلى الأبد ذلك الشعب الباسل الفطن الذكي المستنير، الذي أحيا بهمته وجده تلك الأراضي التي أسلمتها كبرياء القوط الخاملة إلى الجدب، فدر عليها الرخاء والفيض، واحتفر لها العديد من القنوات. ذلك العشب الذي أحاطت شجاعته الفياضة في السعود والشدائد معا عرش الخلفاء بسياج من البأس، والذي أقامت عبقريته بالمران والتقدم والدرس في مدنه صرحا خالدا من الأنوار التي كان ضوؤها المنبعث ينير أوروبا، ويبث فيها شغف العلم والعرفان. والذي كان روحه الشهم يطبع كل أعماله بطابع لا نظير له من العظمة والنبل، ويسبغ عليه في نظر الخلف لونا غامضا من العظمة الخارقة”.

تاريخ حكم العرب في إسبانيا، بتصرف، خوسيه أنطونيو كندهترجمة لارا نيكولا فاليه، مراجعة وتحريرأحمد أيبش، منشورات هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، 2014.