قال الحميري في الروض المعطار: “والأندلس آخر المعمور في المغرب لأنها متصلة ببحر أقيانس الأعظم الذي لا عمارة وراءه. ويقال إن أول من اختط الأندلس بنو طوبال بن يافت بن نوح سكنوا الأندلس في أول الزمان، وملوكهم مائة وخمسون ملكا. ويقال إن الأندلس خربت وأقفرت وانجلى عنها أهلها لمحل أصابهم فبقيت خالية مائة سنة، ثم وقع ببلاد إفريقية محل شديد ومجاعة عظيمة فرقت أهلها، فلما رأى ملك افريقية ما وقع ببلده اتخذ مراكب شحنها بالرجال وقدم عليهم رجلا من افريقية ووجههم، فرمى بهم البحر إلى حائط أفرنجة وهو يومئذ مجوس، فوجههم صاحب أفرنجة إلى الأندلس.

  وقيل اسمها في القديم ابارية ثم سميت بعد ذلك باقطة ثم سميت اشبانية من اسم رجل ملكها في القديم كان اسمه اشبان، وقيل سميت بالاشبان سكنوما في الأول من الزمان وسميت بعد ذلك بالأندلس من أسماء الأندليش الذين سكنوها.

  وسميت جزيرة الأندلس جزيرة لأنها شكل مثلث وتضيق من ناحية حتى يكون بين البحر الشامي والبحر المظلم المحيط بالأندلس خمسة أيام ورأسه العريض نحو من سبعة عشر يوم، وهذا الرأس هو في أقصى المغرب في نهاية انتهاء المعمور من الأرض محصور في البحر المظلم، ولا يعلم أحد ما خلف هذا البحر المظلم ولا وقف منه بشر على خبر صحيح لصعوبة عبوره وإظلامه وتظالم موجه وكثرة أهواله وتسلط دوابه وهيجان رياحه حسما يرد ذلك في موضعه اللائق به إن شاء الله تعالى.

  وبلد الأندلس مثلث الشكل كما قلناه ويحيط بها البحر من جميع جهاتها الثلاث، فجنوبها يحيط به البحر الشامي وجوفيها يحيط به البحر المظلم وشمالها يحيط به بحر صنف من الروم. وطول الأندلس من كنيسة الغراب التي على البحر المظلم إلى الجبل المسمى هيكل الزهرة ألف ميل ومائة ميل وعرضها ستمائة ميل.

 والأندلس أقاليم عدة ورساتيق جملة وفي كل إقليم منها عدة مدن، والركن الواحد من أركانها الثلاثة هو الوضع الذي فيه صنم قادس بين المغرب والقبلة، والركن الثاني شرقي الأندلس بين مدينة نربونة ومدينة برذيل بازاء جزيرتي ميورقة ومنورقة، والركن الثالث حيث ينعطف البحر من الجوف إلى الغرب حيث المنارة في الجبل الموفي على البحر وفيه الصنم العالي المشبه بصنم قادس وهو في البلد الطالع على بلد برطانية.

  والأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها،  هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جناتها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواحلها. وفيها آثار عظيمة لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة، وكان من ملوكهم الذين أثروا الآثار في مدينة طركونة الذي لا نظير له. وفي غربي شنترين على مقدار خمسين ميلا فيما بين الاشبونة وشنترة في جبل هناك كان حصنا فيما مضى يوجد الحجر المعروف بالحجر اليهودي، وهو على شكل البلوط سواء ومن خاصيته تفتيت الحصا التي تكون في المثانة والكلسية ويقع في الاكحال، وفي جوفي بطليوس على قدر أربعين ميلا معدن المها”.

  الروض المعطار في خبر الأقطار، محمد بن عبد المنعم الحميري، تحقيق إحسان عباس، منشورات مكتبة لبنان، بيروت