في وسع الباحث الناظر في المعجم الموسيقي الأندلسي اليوم وفيما عراه من تحولات وتغييرات عبر مراحل نشوءه وتطوره أن يخلص إلى النتيجة الحتمية التالية، وهي أن المصطلحات التي يحفل به ترجع إلى أصول رئيسية ثلاثة هي على التوالي: الأصل المشرقي، والأصل المحلي، والأصل البربري الإفريقي. واعتمادا على هذه الأصول يتبدى جليا أن معجم الموسيقى الأندلسية استمد مادته من روافد متباينة، طبعت التراث الموسيقي الأندلسي بملامح وسمات استطاعت  ـ بالرغم من اختلاف مشاربها وتعدد طبائعها وتباين مفاهيمها ـ أن تتفاعل فيما بينها، وأن تنصهر في بوتقة واحدة أفضت إلى إفراز لون موسيقى مبتكر، له مميزاته الخاصة، كما استطاعت أن تغالب الزمن وظروف الدهر لتدرك عهدنا هذا في زحمة المعارف الموسيقية المستجدة، متحفظة بمقوماتها وهويتها.

         1( نبدأ بالرافد الشرقي فنلاحظ أن النهل من قاموس الموسيقى المشرقية كان ديدن القوم منذ أن حطت ركاب العرب الفاتحين رحالها بالديار الأندلسية، وهو ما انفك يتجدد الكرة بعد الأخرى كلما طغى على الساحة حدث استلزم توافد عناصر مشرقية جديدة على هذه الديار. وقد رافق توافد هذه العناصر تسرب جملة من المصطلحات المشرقية استطاعت أن تجد موقعها في حقل الممارسة، وأن تشكل ـ في البدء ـ مرحلة ضرورية في تأسيس المعجم الموسيقي الأندلسي، كما استطاعت على مر العصور أن تسهم في استكمال هذا المعجم إلى جانب المصطلحات التي أفرزتها البيئة الأندلسية الجديدة ـ بعدوتيها الشمالية والجنوبيةـ وذلك في ظل التمازح الحضاري الذي تم بين العناصر البشرية المتساكنة، قوطا وعربا، وبربرا، وزنوجا. ولتأكيد هذه الحقيقة يكفي أن نقوم بإطلالة على معجم الموسيقى الأندلسية في واقعه الآني، فسننتهي إلى أن عدد المصطلحات ذات الأصل الشرقي لا يقل عن المائة، وذلك ما يشكل ربع قوام المعجم الأندلسي تقريبا.

         وعندما نستنطق المصادر المكتوبة لمعرفة مسار نشوء المعجم الأندلسي وتطوره لا نكاد نعثر ـ فيما يتصل بهذا الموضوع ـ إلا على النزر القليل.

         بعض هذه المصادر يعود إلى ما قبل سقوط غرناطة في نهاية القرن العاشر الهجري، وهي:

-متعة الإسماع في علم السماع لأحمد التيفاشي المتوفى عام 651هـ.

-كتاب الإمتاع والانتفاع في مسألة سماع السماع لمحمد بن الدراج السبي المتوفى عام 693هـ.

- روضة التعريف بالحب الشريف لابن الخطيب المتوفى عام 776هـ.

         أما باقي المصادر ـ وهي الأوفر عددا ـ فهي مما ألفه المغاربة بعد سقوط غرناطة، بدءا بعبد الواحد الونشريسي المتوفى عام 955هـ، وانتهاء بعلامة الرباط إبراهيم التادلي المتوفى عام 1311هـ على العهد الحسني.

         على أن اغرب ما يثير انتباه الباحث في بعض المصادر أن تطالعه بصنوف من المصطلحات التي لا تمت بصلة إلى واقع الموسيقى الأندلسية اليوم. وفي هذا السياق تندرج رسالة ساقها ابن الخطيب في كتابه المذكور آنفا في معرض حديثه عن المناسبة بين الألحان الموسيقية وبين النفوس. ففيما تكشف هذه الرسالة عن أهميتها من حيث التعرف على ما يناهز الثلاثين مصطلحا تتصل غالبيتها بالأبعاد الصوتية وأجناسها فإنها تثير أكثر من تساؤل عن مدى مطابقتها لواقع مستعملات الموسيقى المغربية الأندلسية، خاصة في العهد المريني، وبالتالي عن جداول في التعرف على البنيات والقوالب لتلك المستعملات.

         إن استقراء هذه المصطلحات يفضي بالباحث إلى إدراك أنها تنتمي إلى القاموس المشرقي للمعجم الموسيقي، وأنها هي ذاتها الواردة في كتابي الأدوار والرسالة الشرقية  للأرموي البغدادي المتوفى عام 693هـ، وكثير منها وارد أيضا في كتاب الموسيقى الكبير للفرابي.

         ومثلما لم تكن رسالة ابن الخطيب موفقة في ترجمة واقع المعجم الموسيقي الأندلسي في القرن الثامن الهجري، فكذلك جاءت منظومة أحد أعلام المغرب في القرن الحادي عشر، وهو العلامة عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي صاحب الأقنوم في مبادئ العلوم بتبنيها للمصطلحات الشرقية في تفسيرها للظاهرة الإيقاعية، أقول جاءت مجافية لواقع الموازين والأدوار في الموسيقى الأندلسية، كما جاءت لتكون أقرب إلى صياغة نظمية لما شرحه الأرموي البغدادي ـنثراـ في “الرسالة الشرقية”، وذلك على الرغم من سعة معرفة الفاسي وقواعد الموسيقى الأندلسية، وإسهامه في إغناء ديوانها الغنائي واضطلاعه ببسط الحديث عن طبوعها الأصلية والفرعية في قسم من أقسام أرجوزته الطويلة التي عنوانها: المجموع في علم الموسيقى والطبوع والتي تشكل فصلا من فصول كتابه الأقنوم.

         ونريد أن نخلص إلى الرافد الغربي لنقف عند ظاهرة حديثة طارئة على الموسيقى الأندلسية المغربية، تتمثل في استبدال كلمة “الآلة” بعبارة “الموسيقى الأندلسية”. وعلى الرغم من بريق هذه التسمية الذي يحرك في النفوس الحنين إلى الفردوس المفقود، فإن من بين المهتمين المغاربة من يرى أن هذا الإجراء يدخل في سياق توجه إيديولوجي يحاول إخفاء الهوية المغربية والعربية لهذه الموسيقى، ويرمي إلى إنكار الدور الحضاري الذي اضطلع به العرب والمغاربة في الجزيرة الأيبيرية في هذا المضمار، كما يرتبط بنعت الباحثين المستشرقين لمظاهر الحضارة العربية في الأندلس ـ وخاصة في مجال العمارة ـ  بالفنون العربية الموريسكية. ومن ثم إذن جرت تنحية مصطلح “الآلة” بالنسبة لتراث الأندلس الموسيقى في المغرب الأقصى مثلما جرت تنحية مصطلح “الصنعة” بالنسبة لهذا التراث في الرباط ووجدة والجزائر واستبدال هذا الأخير بمصطلح “الطرب الغرناطي”.

    ومهما يكن من أمر فالذي يبدو أن التسمية الجديدة استهوت نفوس ممارسي هذا الفن وهواته، وخاصة من بين الشباب، كما استطاعت أن تهيمن على البحوث التي ينجزها الدارسون المغاربة، وإن تكن أكثر هذه البحوث قد أصبحت تتجه نحو نعث هذه الموسيقى بالمغربية )الموسيقى الأندلسية المغربية(. وذلك من اجل إضفاء الهوية المغربية عليها وتأكيدا للدور الذي لعبه المغاربة في مراحل تشكلها، ثم بالأحرى في الحفاظ عليها من الاندثار بعد سقوط غرناطة.

 

الموسيقى الأندلسية المغربية، د. عبد العزيز ابن عبد الجليل، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الطبعة الأولى، 2015