صحيح أن عناصر أندلسية كثيرة كانت موجودة في المغرب الأقصى قبل القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، حيث شغلت بعض المهن كالهندسة والطب والكتابة للسلاطين، علاوة على التصدي للقضاء والتدريس. كما كان السلاطين المرينيون والوطاسيون قد تعودوا على استعمال الأندلسيين في فرقهم العسكرية كرماة ومشاة وقواد للأساطيل، لما اشتهروا به من خبرة في هذا المضمار. إلا أنه مع تزايد الضغوط المسيحية على مملكة غرناطة استمر سيل الهجرة نحو المغرب بشكل مكثف. ففي كتاب الوزان إشارات إلى وجود الأندلسيين داخل البلاد كذلك كما هي الحال في دمنات وأحوازها وخميس مطغرة ناحية فاس التي ساهم الأندلسيون في تعميرها بعد أن لحقها الخراب من جراء الحروب، وذلك بغرس شجر التوت الأبيض وقصب السكر وتصنيع منتوجيهما.

ومن جهة أخرى، فقد احتفظت مدينة فاس بساكنة أندلسية مهمة تميزت بتحكمها في تجارة الأقمشة المستوردة من أوروبا وإن كنا لا نعرف في الواقع تاريخ  استقرارها بالمدينة وما إذا كان ناجما عن سقوط غرناطة. أما بخصوص تطوان، فمن المؤكد أن إعادة بنائها ترتبط ببداية طرد المسلمين من الأندلس عقب بمجيء القائد الأندلسي أبي الحسن علي المنظري إلى فاس، واستئذانه السلطان محمد الشيخ في الاستقرار هناك، حيث كان يبادر إلى مهاجمة المدن المحتلة المجاورة كطنجة وسبتة والقصر الصغير؛ وكان معه ثلاثمائة فارس غرناطي شكلوا نواة قوة جهادية كانت تتعزز باستمرار بالعاصر الجبلية المجاورة.

وواضح أنه كان لمسألة الهجرة دوافع عسكرية باعتبار هزيمة المسلمين أمام النصارى وسوء المعاملة التي ووجهوا بها، لكن أسبابها الدينية كانت حاضرة بدورها. فمرة أخرى وبعد ما كان من سقوط صقلية في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، طرح الناس على فقهائهم مجددا سؤالا يتعلق ببقاء المسلم في أرض الكفر. وقد أجاب أحمد الونشريسي بضرورة الهجرة واعتبرها واجبا دينيا إلا على من كان عاجزا عن القيام بها.

ومهم يكن، فالراجح أن الهجرة الأندلسية كانت كثيفة خلال السنتين اللتين أعقبتا سقوط غرناطة، إلا أنها تراجعت بعد ذلك. وقد همت هذه الهجرة المجالات الحضرية منها والقروية على حد سواء في مختلف أرجاء المغرب الأقصى، بحيث نجد إشارات إلى الأماكن التي استقروا فيها عقب انتقالهم، ومنها مدن بادس وطنجة وتطوان وسلا وآسفي وأزمور وأنفا ومليلية، علاوة على استقرار بعضهم بين ظهراني قبائل غمارة بمنطقة الريف. هذا، وستصل أعداد المهاجرين الأندلسيين إلى المغرب بعد سقوط غرناطة إلى حوالي أربعة آلاف شخص، رافق منهم الأمير النصري وحده ما يربو على النصف.

وكان من النتائج المباشرة للهجرة أن أضحى المغرب قاعدة انطلاق عمليات عسكرية ضد البرتغاليين والإسبان، لكن ذلك لم يمنع بعضهم من التعامل مع الإسبان، حيث سهلوا فيما يبدو، مأموريتهم في احتلال مليلية وغساسة، رغبة في نيل رضاهم والسماح لهم باستعادة ممتلكاتهم بأحواز غرناطة. ومن جهة اخرى، فقد فرضت الظروف السياسية السائدة في المغرب آنذاك على هؤلاء المهاجرين أن يحددوا موقفا من الأطراف المتطاحنة داخل البلاد. وهكذا وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الانحياز إلى الجانب الوطاسي الذي آواهم ووفر لهم شروطا كريمة للاستقرار، بل وعين بعض قوادهم كأحمد العطار على رأس بعض الأقاليم كتادلا وغساسة. وفي المقابل انضم أحد زعمائهم وهو أحمد أعراص إلى محمد الشيخ السعدي الذي كلفه بمحاربة الإسبان من أجل مليلية وأمده بالدعم اللازم.

والواقع أن قلة المعلومات المتوافرة بالنسبة لهذه الفترة لا تسمح لنا بالتعرف على الآثار المباشرة للاستقرار الأندلسي بالمغرب. ومن الجائز أن هذه الآثار لم تكن ذات أهمية تذكر. وبالفعل، فعلى الرغم من انخراط المنظري في الجهاد، فإن وجوده في المنطقة شكل تهديدا لمصالح القبائل المجاورة، إذ ظلت متمسكة بملكيتها للأراضي التي أصبحت تحت نفوذه، مما أدى إلى وقوع مواجهات انتهت لصالح حاكم تطوان؛ وقد أصبح ينظر إلى هذه الجماعات الأندلسية كعنصر يهدد باختلال توازنات محلية كانت في الأصل هشة.

وفي سياق الهجرة الأندلسية لنهاية القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، وصلت أعداد مهمة من اليهود. ولا شك أن تشابك عدة معطيات مثل وضعية الذمة وقرب العهد بسيطرة اليهود بفاس وانتشار مرض الزهري آنذاك، قد ساهم في اتهام العنصر اليهودي بنقل هذه الفاجعة، وهو ما يمكن اعتباره نوعا من الاحتياط وردة فعل عفوية تجاه هذه العناصر الطارئة التي صادف انتقالها فترات عصيبة من حياة المغاربة.

تاريخ المغرب، تحيين وتركيب، إشراف وتقديم، محمد القبلي، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب الرباط 2012