في شهر رجب (غشت 1190م) تلقى يعقوب المنصور الموجود في اشبيلية، رسالتين من السيد أبي زيد والي إفريقية وأبي الحسن عامل بجاية يخبرانه بوصول ابن منقد، سفير صلاح الدين الأيوبي، الذي جاءه في مهمة سرية تتلخص في طلب مساعدة الموحدين من أجل محاربة الصليبيين في المشرق.

   وقد كتب المنصور ردا جوابيا إلى السيدين يشكرهما من خلاله على حسن استقبالهما للسفير، لكنه يمنعهما من التفاوض معه بشأن المهمة التي جاء من أجلها، في نفس الوقت أمر عمال عدد من الولايات أن يسهلوا عملية تنقله إلى فاس في احسن الظروف، وأن يستضاف بهذه الأخيرة بكل كرم وحفاوة، في انتظار فراغه هو من حملة حصن طرش وطمان. ومع فراغه من هذه الحملة وعودته إلى إشبيلية، رخص لإبن منقد بالعبور إلى الاندلس حيث قام باستقباله، لكن دون أن يمنحه المساعدة التي جاء من اجلها والمتمثلة في مده بجيوش موحدية.

   ويشير ابن خلدون ومن نحا نحوه من المحدثين، خطأ، إلى أن ابن منقد مكث بفاس، وأن الخليفة استقبله بها، بعد عودته إلى المغرب في خريف 1191م، إثر انتهائه من حملته الثانية التي كانت ضد قصر الملح وشلب. غير أن التسليم بهذه الرواية يعني أن المدة التي قضاها ابن منقد في إفريقية وفاس قبل استقباله من طرف الخليفة دامت أكثر من سنة ونصف. من جهة أخرى نعرف أن الخليفة لم يمر بفاس أثناء عودته إلى المغرب، وعند وصوله إلى مراكش أصيب بمرض بقي معه طريح الفراش لمدة طويلة، بحيث لم يرحل إلى فاس إلا بعد تماثله للشفاء عام 1192م.

   وقد تباينت التأويلات حول الأسباب التي كانت وراء عدم تقديم المنصور المساعدة التي طلبها صلاح الدين، غير أنها أهملت أكثر هذه الأسباب احتمالا، وهي أن الخليفة كان في حاجة ماسة للسفن التي طلبها صلاح الدين، لاستعمالها في الحملة التي أزمع توجيهها في شتاء تلك السنة إلى قصر الملح وشلب.

   ويقبل سعد زغلول عبد الحميد ما جاء في كتاب الاستبصار الذي يرى أن ابن منقد مكث في فاس ينتظر تعليمات الخليفة، وأن هذا الأخير استقبله بالمدينة المذكورة في 6 محرم 588هـ )23 يناير 1192م(، غير أنني أعتقد أن ما جاء في البيان المغرب هو أكثر دقة من الناحية الكرونولوجية؛ بحيث إن اللقاء -حسبه- تم ما بين حملتي طمان وشلب. ومما يؤكد خطأ التاريخ الذي أورده صاحب الاستبصار، أن المنصور بعد عبوره المضيق، توجه مباشرة إلى مراكش وهناك اشتد به المرض، لدرجة عين معها ابنة الناصر وليا للعهد. ومع حلول سنة 588هـ، وإثر توديعه للوفود الأندلسية التي جاءت لتهنئة الناصر بهذا التعيين، نقل وهو طريح الفراش إلى الرباط، ولم يبرح فراش المرض إلا بعدما وصلها، إثر ذلك فقط انتقل إلى فاس، وهو ما يعني أن وصوله كان بعد 6 محرم.

التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية، هويثي ميراندا، ترجمة عبد الواحد أكمير، منشورات الزمن، الرباط،  2004.