بدأ تدخل المرينيين في الأندلس سواء في الميدانين السياسي أو العسكري بشكل مباشر منذ عهد يعقوب،  حيث عقد الصلح مع المسيحيين مرتين بطلب منهم، على أن يعقوب لم يشرع في تدخله بالأندلس قبل أن يستصرخه على النصارى بنو الأحمر أنفسهم سنة 673هـ. ولا يمكن إثبات ما إذا كان يعقوب يرغب في مجرد توسيع مملكته بهذا التدخل، على أن أحدا من ملوك بني مرين لم يفكر في إقصاء بني الأحمر عن الحكم. ولو لم يكن لعمل يعقوب بالأندلس من نتيجة أكثر من إيقاف زحف النصارى لأمد طويل، على الأقل، لكان ذلك كافيا في حد ذاته من دولة كانت تحت حكم والده باستثناء رندة و الجزيرة وطريفة، و في الواقع رد ملك غرناطة على هذا الجميل بأن تعاون مع القشتاليين على الاستيلاء على طريفة سنة 691هـ.

      ومنذ عهد يعقوب انتقل بنو إدريس بن عبد الحق إلى الأندلس، فرارا من بطشه، وأصبح لهم نفوذ ظاهر في تلك الديار منذ عهد يوسف، وشجعهم على تزعم المرينيين هناك ملوك بني الأحمر، الذين فوضوا الزعامة الرسمية إليهم ابتداء من عهد عبد الحق بن عثمان، وكانوا يتولونها بظهير يوقعه ابن الأحمر ويصادق عليه عادة سلطان المغرب، واشتهر منهم عثمان بن أبي العلاء الذي عينه محمد بن الأحمر على سبتة إغاظة لبني مرين، وكان الملك الغرناطي قد استولى عليها في عهد يوسف الذي عجز عن استرجاعها، ثم إدريس بن عثمان الذي قتل خنقا في سجن مكناس سنة 770هـ، على أن المرينيين كان لهم دائما ممثل حكومي في الأندلس، ويختار عادة من الشخصيات البارزة في الدولة، ومنذ عهد أحمد بن أبي سالم، بدأ سلطان غرناطة يباشر شؤون الغزاة بنفسه وبذلك سقطت وظيفة شيخ الغزاة التي كان يتولاها بنو إدريس المرينيون.

    ومن البديهي أن تظل الصلات بين المغرب والأندلس في مختلف الميادين وثيقة كذي قبل، خصوصا في الميدان الثقافي، وهكذا فإن مالك بن المرحل درس على عدد من علماء الأندلس من بينهم أبو علي الشلوبين، كما درس ابن الخطيب على جملة من علماء المغرب كالقاضي حسن بن يوسف السبتي وعبد المهيمن الحضرمي الذي استكمل هو نفسه ثقافته بالأندلس على يد علماء وأدباء كأبي جعفر ابن الزبير وأبي إسحق الغافقي، وزاول عبد القادر بن سوار الحاربي التدريس بغرناطة سنة 757هـ، وعين سلطان هذا البلد محتسبا مغربيا هو أبو الحسن الأنصاري السبتي 764هـ، وبرع الأديب محمد الكرسوطي في ميدان الأدب الشعبي الذي استطابه أهل غرناطة حيث انتقل إليها من فاس، وكان ذا ثقافة عربية متينة.

المغرب عبر التاريخ، الجزء الثاني، إبراهيم حركات، دار الرشاد الحديثة، الطبعة الثالثة 1993، ص: 76-77