كان الجيش الذي اضطلع بالفتح الأول مع طارق بن زياد مؤلفاً في غالبيته من البربر، وكان لهؤلاء تنظيم قبلي يتوزعون فيه على قسمين كبيرين: البتر وهم البربر البدو، والبرانس وهم بربر الحضر، وكان بين الاثنين من التنافس كما كان بين العرب العدنانية وهم عرب الشمال واليمنية وهم عرب الجنوب. ثم دخل الأندلس مع موسى بن نصير جيش كان في هذه المرة ذا أغلبية عربية، إذ كان فيه نحو اثني عشر ألفاً من العرب، وهذه هي التي تسمى “طالعة موسى”، وكان مع هؤلاء مجموعة كبيرة من الموالي الذين ارتبطوا بحكم هذا الولاء بالقبائل العربية، وفي سنة 97 هـ/ 716 م قدم الحر بن عبد الرحمن الثقفي من إفريقية ومعه أربعمائة من وجوه أهل إفريقية، وكان هؤلاء نخبة من زعماء العرب. وتسمى هذه المجموعة “طالعة الحر”. وكان يطلق على عرب هاتين الطالعتين الذين كانوا أول العرب استقراراً في الأندلس اسم “العرب البلديين”، ثم قدم بعد ذلك مع بلج بن بشر القشيري عدد آخر من العرب يبلغون نحو عشرة آلاف وذلك في صفر – ربيع الأول 123 هـ/ كانون الثاني/ يناير 741 م. وهذه التي تسمى “طالعة بلج”.  ولما كان هؤلاء من الكور المجندة بالشام فقد أطلق عليهم اسم “الشاميين”، وسرعان ما نشب النزاع بين البلديين أي عرب الطالعتين الأوليين والشاميين… وبلغ هذا النزاع ذروته أيام عبد الملك بن قطن الفهري وقد انتهى هذا الصراع بمقتل ابن قطن وولاية بلج زعيم الشاميين على الأندلس.

وكان هذا الصراع امتداداً لما كان يحدث في المشرق، وكان خلفاء بني أمية أنفسهم يؤرثون هذا النزاع فكانوا يقربون هذا الفريق تارة وذاك الفريق تارة أخرى معتقدين أن ذلك يضمن لهم السيطرة على الجانبين كليهما، وإن أثبتت الأحداث أن هذه السياسة كانت في النهاية من عوامل انهيار الدولة كلها. وكان اليمنية في الأندلس أكثر عدداً من القيسية، ولكن هؤلاء كانوا عناصر تتميز بالقدرة والشجاعة والتماسك. ولذلك فقد رجحت كفتهم ولا سيما خلال السنوات الأخيرة من عصر الولاة.

وكـأن هذه المنازعات لم تكن كافية، إذ أضيف إليها النزاع بين العرب والبربر، وقد زعم بعض المؤرخين أن السبب في ذلك استئثار العرب بأفضل أراضي الأندلس وأخصبها، بينما تركوا للبربر المناطق الجبلية القاحلة. غير أنه ثبت أن ذلك غير صحيح. وأن الفاتحين نزلوا في المناطق التي استطابوا المقام فيها، وقد تكون كثرة إقامة البربر في المناطق الجبلية راجعة إلى تعودهم على سُكنى مثل هذه المناطق في مواطنهم الأصلية في شمال إفريقية. ولا تذكر المصادر أسباباً واضحة لثورة البربر في الأندلس، وقد يكون السبب الرئيسي هو ما اتسمت به الدولة الأموية من الاعتزاز بالعنصر العربي واحتقار الأجناس الأخرى. ولكن الأرجحهو أن ثورة بربر الأندلس كانت امتداداً لثورتهم في شمال إفريقية. وكانت مبادئ الخوارج قد انتشرت في البلاد وصادفت هوى نفوس البربر لما كانت تدعو إليه من مساواة بين العرب وغيرهم، وقد تزعم هذه الحركة البربرية الخارجية في إفريقية ميسرة المعروف بالحقير، وألهبت انتصارات ميسرة على العرب حماسة بربر الأندلس. وبعد مقتل ميسرة ولي زعامة بربر إفريقية خالد بن حُميد الزناتي الذي أوقع بالعرب هزيمة ساحقة في الغزوة المدعوة “غزوة الأشراف” سنة 123 هـ/ 741 م في وادي شلف، فتجمع بربر الأندلس وترك المقيمون في أقصى الشمال الغربي مواطنهم وانحدروا إلى الجنوب وهم يقتلون من في طريقهم من العرب أو يلجئونهم إلى الفرار، ولما رأى عبد الملك بن قطن تأزم موقف العرب سمح للعرب الشاميين الذين كانوا محصورين في سبتة بقيادة بلج بن بشر القشيري في الجواز إلى الأندلس حتى يستعين بهم في قتال البربر. وأثبت هؤلاء العرب كفاءتهم وفاعليتهم إذ ألحقوا بجموع البربر ثلاث هزائم متوالية في شذونة وفي منطقة قرطبة وأخيراً قرب طليطلة في معركة وادي سليط (Guazalete) ومكنهم ذلك من المناداة بقائدهم بلج عاملاً على الأندلس.

الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، الجزء الأول

د. سلمى الخضراء الجيوسي الطبعة الثانية: تشرين الثاني/ نوفمبر 1999، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.