استطاعت المرأة الأندلسية أن تنفذ إلى أقطار العديد من الشعب العلمية والأدبية، فالأخبار التي وصلتنا تفيد بأنها نظمت الشعر واهتمت بالنحو والصرف والعلوم القرآنية والحديث والفقه والتاريخ والحساب والفلك والطب والموسيقى، فنالت بذلك الإجازة التي خولت لها إعطاء الدروس إلى غيرها من النساء. كما أنه لم يقف الأمر عند هذا الحد فقط، بل كان هناك من النساء من ولجت القصر، كالسيدة بنت الغاني الغرناطية، والتي كانت تعلم أبناء الأمراء، إلى جانب الشاعرة المشهورة حفصة بنت الحاج الركونية، والتي كلفت بتربية أميرات الموحدين داخل القصر الملكي بمراكش.

     هذا ولم يكن الطب في منأى عن اهتمام النساء العالمات في الأندلس، وأبلغ مثال على ذلك نجده في أم عمر بنت أبي مروان بن زهر، والتي كانت طبيبة نساء وإماء الموحدين. فقد كانت تستدعي ساعة الولادة لتفي في الحالات المستعصية، كما كانت تستشار ويؤخذ بنصيحتها إذا ما سئلت عن أمراض الرجال.

     وتطالعنا كتب التراجم بمعلومات شيقة وطريفة عن النساء العالمات في الأندلس، كأن تشير إلى انصبابهن التام على الدراسة وانشغالهن الكلي بمجال العلم وبالتالي عزوفهن عن الزواج. وكثيرة هي الأسماء الواردة في هذا الصدد، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، عائشة بنت محمد بن محمد بن القاضم، وولادة بنت المستكفي.

      كما لا يفوتنا التذكير في هذا المقام بعدد الرجال الذين تتلمذوا على يد عالمات منذ نعومة أظافرهم، كأبي بكر عياض الباقي، الذي أخذ العلم عن أم الفقراء، وأبي داود سليمان بن الحاج الذي درس العروض على يد إشراق السوداء، وخصوصاً ابن حزم، الذي يخبرنا أن كل معرفة له بالقراءة يرجع الفضل الأول فيها للنساء، ومما ونقرأ عنده في “طوق الحمامة” بخصوص هذه النقطة: “وهن علمنني القرآن وروينني كثيراً من الأشعار ودربنني على الخط”.

المرأة في الأندلس، سناء الشعيري، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الرباط، 2009