إذا كان الإرث الأندلسي في مجال الرياضيات، عدا استثناءاتٍ قليلة، غير غنيّ تماماً فإن الوضع يختلف اختلافاً تاماً عندما ننظر في علمي الفلك والتنجيم، هذين الفرعين من المعرفة كانا مرتبطين ارتباطاً وثيقاً في العصور الوسطى. ولعل عبد الواحد بن إسحاق الضبِّي (الذي ذاع صيته عام 184هـ / 800م تقريبا) هو أول منجم أندلسي ترك لنا عملاً مكتوباً، وهو يعطي فكرة عن وضع هذا الفرع من المعرفة قبيل نهاية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي؛ إذ ألف أرجوزة تنجيمية لم يبق منها إلا 39 بيتاً، تستند فيها التنبؤات التنجيمية إلى نظام الصُّلب اللاتيني المتأخر (طريقة أحكام الصلوب). وهذا التقليد التنجيمي اللاتيني كان أكثر فجاجة من التقليد الهليني المعتبر الذي تبناه عرب المشرق وأدخلوه في وقت لاحق إلى الأندلس: فهو يقرن المنازل التنجيمية بصور البروج؛ وتستند التنبؤات فيه إلى مواقع الكواكب (وبشكل رئيسي زُحل، والمشتري، والمريخ، والشمس) في الثلاثيات (triplicities) الأربع للهواء والماء والنار والتراب؛ وتُؤخذ فيه بعين الاعتبار فقط المواقع المتوسطة للكواكب؛ ومن الواضح أنه يتجاهل مبادرة الاعتدالَيْن. وأما منجمو هذه الحقبة الذين لم يكونوا يملكون الأزياج (الجداول الفلكية)، فلعلهم استخدموا قواعد ومخططات تقريبية مكنتهم من حساب خطوط الطول المتوسطة لهذه الكواكب.  وهذه القواعد والمخططات نجدها موثقة في الرسائل الحسابية اللاتينية (computus)؛ وقد تكون هي أصل المقياس البروجي الذي يظهر في قفا الأسطرلابات الأندلسية والمغربية موفراً طريقة بسيطة لحساب خط الطول الشمسي في أي يوم من أيام السنة الشمسية. وتظهر مثل هذه المقاييس البروجية في أقدم الأسطرلابات الأندلسية الموجودة، ونجد وصفاً لها في الرسائل الأندلسية الأولى التي تتناول هذه الآلة. أما الإشارات المرجعية في المشرق لمثل هذه المخططات فقد ظهرت في وقت متأخر جداً، وأظن أنه أدخلها إلى الأندلس أبو الصلت أمية بن أبي الصلت ( 460 هـ/ 1067 م – 529 هـ/ 1134 م) الذي كتب، في الاسكندرية بمصر عام 503(هـ/ 1109– 1110 م) رسالةً في استخدام الأسطرلاب وصف فيها طريقتين مختلفتين لتحديد خط الطول الشمسي وطريقة التقويم الشمسي لسنة ما، وطريقة المقياس البروجي.

         ونجد مثالاً على دوام التقليد التنجيمي اللاتيني في الأندلس ربما في المزاول الشمسية. إن أقدم المزاول الشمسية الإسلامية الموجودة من النوع الهليني المتعارف عليه (وهي مزاول شمسية أُفقية يرسم فيها الظل الشمسي وقت الانقلابين قوسين من قِطع زائد؛ في حين يرسم وقت الاعتدالين خطاً مستقيماً) هي أندلسية، إلا أنها عموماً غير متقنة ومصنوعة صناعة رديئة؛ ولا نجد إلا في نهاية القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي رسالة في علم الظلال، يُثبت فيها فلكي أندلسي تونسي، هو عبد الله محمد بن ابراهيم الأوسي المشهور بابن الرقام (ت 715 هـ/ 1315 م)، كفائة بالغةً في علم المزاول الشمسية. ويصف فيها الطريقة لبناء كل أنواع المزاول الشمسية باستخدام الأداة الرياضية الهلينية المعروفة باسم « analemma » [وهي مقياس متدرج شكله شكل العدد (8)، يظهر ميل الشمس الزاوي ومعادلة للوقت لكل يوم من أيام السنة].

         من ناحية ثانية، ثمة نوع آخر من المزاول الشمسية الأندلسية يعرف بالبِلاطة، أو البَلاطة (والكلمة على ما يبدو ليست من أصل عربي)، يظهر وصف له في عدة مصادر: في كتاب الهيئة للقاسم بن المُطَرِّف (الذي وُضِع قبيل منتصف القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي) والذي توجد مخطوطة له في مكتبة استانبول برقم 1279؛ وفي فقرة تنسب إلى أبي القاسم أحمد بن عبد الله المشهور بابن الصفّار (ت 426 هـ/ 1035 م) موجودة في الرسالة الميكانيكية: كتاب الأسرار في نتائج الأفكار (التي يرجّح أنها كتبت في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي من قبل شخص اسمه أحمد أو محمد بن خلف المرادي)؛ وفي فقرة في جداول ابن معاذ (Tabulae Jahen) استشهد بها في زيج ابن اسحاق التونسيّ (الذي ذاع صيته مع بداية القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي)؛ وأخيراً في اقتباس للفيلسوف والعالم اليهودي الأندلسي الشهير موسى بن مَيْمون (Maimonides) (530 هـ/ 1135 م – 601 هـ/ 1204 م). وتصف كل هذه النصوص ما يبدو أنه نوع بدائي جداً من المزاول الشمسية الأفقية فيها الميل الرأسي مثبت في مركز نصف دائرة ـ أو مَيْلان (عقربان) يظهران في مركَزيْ ربعين، وتعين فيها حدود الساعات بأنصاف أقطار تقسم الدائرة بالتساوي إلى أقواس من 15 درجة. وأعتقد أن هذا النوع البدائي من المزاول الشمسية يناظر تقليداً لاتينياً متعلقاً بنزع من الأقراص المدرّجة، غالباً ما يوجد في الكنائس، ويسمى في إنكلترا ساعة القداس.

عن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس الجزء الثاني،

إشراف سلمى الخضراء الجيوشي، تأليف خوليو سامسو،

مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية: بيروت، 1999