تعتبر هذه الطبقة أغنى طبقات المجتمع الغرناطي وأكثرها ثراءً، وتتكون من أفراد الأسرة الحاكمة، وكبار الملاكين وكبار الأغنياء الذين استأثروا بأجود أراضي غرناطة وسيطروا على معظمها. وكان أفراد هذه الطبقة يميلون إلى الترف والدعة والاسترخاء واللهو، وينغمسون في ملذات الحياة متجاوزين الضروري منها، يفتخرون بذلك ويتفاخرون، يأكلون أطيب المأكولات، ويلبسون أبهى الحلل، يبنون القصور ويكثرون من الرياض، ويؤثرون الراحة على المتاعب، فكانت حياتهم مليئة بجلسات السمر، وحفلات الفروسية، ومواسم الصيد… واعتماداً على ما ورد في بعض الكتب التاريخية التي تناولت دراسة الحياة الخاصة لهذه الفئة من المجتمع الأندلسي، تتجلى لنا مظاهر عديدة لحياتها التي غلب عيها الترف والرفاهة وذلك استناداً إلى معايير عديدة منها قول المقري: “ومع كون أهل الأندلس سباق حلبة جهاد، مهطعين إلى داعية من الجبال والوهاد، فكان لهم في الترف والنعم والمجون ومداراة الشعراء خوف الهجاء محل وثير المهاد…”[1]. فرغم الحياة المريرة التي كان يعيشها أهل الأندلس بجوار الدول المسيحية، ومواجهتهم التي كانوا يعيشونها إلا أن هذا لم يمنعهم من حب الحياة والتمتع بمباهجها.

وقد أشار لسان الدين بن الخطيب أكثر من مرة في كتابه: “الإحاطة”، إلى العظمة والتقدم اللذين بلغتهما مملكة غرناطة، فأعطانا صورة واضحة عن عصره، انطبعت مظاهرها على حياة أهلها وطرق معيشتهم في جميع النواحي السياسية والحربية والدينية والثقافية. وكان الرخاء والثراء محور هذه الحياة التي بلغت في البذخ حداً كبيراً؛ فذكر أن أهل غرناطة كانوا يميلون إلى الأناقة في اللباس ويكثرون الابتذال فيه[2]. وكان نساء الطبقة الارستقراطية يتزيَّن بالملابس الموشَّاة بخيوط الذهب الخالص[3]، أما الملوك فكانوا يلبسون ملابس ملوكية مطرزة، يرمز تطريزها إلى شعار الملك أو شارة من شارت الأسرة الحاكمة، وقد أخذ بني نصر هذه العادة من الملوك  الذين سبقوهم، خاصة ملوك الطوائف[4]. وتجلى ترف الأسرة الحاكمة في كثرة الجواري بقصورهم، والميل إلى حياة اللهو والمجون كالسلطان أبي الحسن النصري، الذي انهمك في الشهوات والملذات والتمتع بالجواري، إلى أن انتهى به الأمر إلى الاستسلام إلى حب جاريته الرومية ثريا[5]. ولا ينبغي أن نغفل البناء والعمران الذي شكل مظهراً من مظاهر الترف لهذه الطبقة، فقد تعددت قصورها التي امتازت بجمالها ورونقها، وبلغت حداً بعيداً في نقوشها وزخارفها، واتساع أبهائها.

وإلى جانب الطبقة الحاكمة كان بغرناطة فئة الملاكين الكبار التي سيطرت على زمام الاقتصاد، وفئة التجار الكبار وكبار الموظفين. ورجال العلم والدين كانوا يمثلون طبقة أعيان المملكة المتقدمة نفوذاً ومكانة. وكونت هذه الفئات مع الأسرة الحاكمة فئة من الأثرياء التي استأثرت باقتصاد البلاد، وقد استوجب هذا النوع من الحياة المترفة الرفيعة طابعاً خاصاً ميز حياة هذه الطبقة الارستقراطية التي طغى عليها التعاظم والعفة والتفاخر بالنسب وكفاءتها وحنكها في تدبير شؤون الدولة، ونظمها الإدارية المتعددة المهام.

الحياة الاجتماعية في غرناطة في عصر دولة بني الأحمر

أحمد ثاني الدوسري،

المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2004.

[1] – المقري، نفح الطيب، ج (1)، ص. 190.

[2] – ابن الخطيب، الإحاطة، ج (1)، ص 135 – اللمحة، ص 127.

[3] – الإحاطة، ج (1) ص 138 – اللمحة، ص 29.

[4] – ابن خلدون، المقدمة، ص 208.

[5] – مؤلف مجهول، نبذة العصر، ص 208.