قال ابن بطوطة : “فوصلت إلى بلاد الأندلس حرسها الله تعالى، حيث الأجر موفور للساكن والثواب مذخور للمقيم والطاعن. وكان ذلك إثر موت طاغية الروم أدفونس وحصاره الجبل عشرة أشهر، وظنه أنه سيستولي على ما بقي من بلاد الأندلس للمسلمين، فأُخذ من حيث لم يحتسب، ومات بالوباء الذي كان أشد الناس خوفاً منه. وأول بلد شاهدته من البلاد الأندلسية جبل الفتح. فلقيت به خطيبه الفاضل أبا زكريا يحيى بن السراج الرندي وقاضيه عيسى البربري، وعنده نزلت. وتطوفت معه على الجبل، فرأيت عجائب ما بنى به مولانا أبا الحسن رضي الله عنه وأعيد فيه من العدد، وما زاد على ذلك مولانا أيده الله. ووددت أن لو كنت ممن رابط به إلى نهاية العمر.

ثم خرجت من جبل الفتح إلى مدينة رندة، وهي من أمنع معاقل المسلمين وأجملها وضعاً. وكان قائدها إذاك الشيخ أبو الربيع سليمان بن داوود العسكري، وقاضيها ابن عمي الفقيه أبو القاسم محمد بن يحيى بن بطوطة. ولقيت بها الفقيه القاضي الأديب أبا الحجاج يوسف بن موسى المنتشاقري، وأضافني بمنزله. ولقيت بها أيضاً خطيبها الصالح الحاج الفاضل أبا إسحاق إبراهيم المعروف بالشندرخ، المتوفي بعد ذلك بمدينة سلا من بلاد المغرب. ولقيت بها جماعة من الصالحين، منهم عبد الله الصغار وسواه، وأقمت بها خمسة أيام.

ثم سافرت منها إلى مدينة مربلة، والطريق فيما بينهما صعب شديد الوعورة؛ ومربلة بليدة حسنه خصبة. ووجدت بها جماعة من الفرسان متوجهين إلى مالقة، فأردت التوجه في صحبتهم. ثم إن الله تعالى عصمني بفضله، فتوجهوا قبلي، فأُسروا في الطريق كما سنذكره، وخرجت في أثرهم.

فلما جاورت حوز مربلة ودخلت في حوز سهيل، مررت بفرس ميت في بعض الخنادق، ثم مررت بقفة حوت مطروحة بالأرض، فرابني ذلك. وكان أمامي برج الناظور، فقلت في نفسي: “لو ظهر هاهنا عدو لأنذر به صاحب البرج”. ثم تقدمت إلى دار هنالك، فوجدت عليه فرساً مقتولاً. فبينما أنا هنالك سمعت الصياح من خلفي، وكنت قد تقدمت أصحابي فعدت إليهم. فوجدت معهم قائد حصن سهيل، فأعلمني أن أربعة أجفان للعدو ظهرت هنالك، ونزل بعض عمارتها إلى البر ولم يكن الناظور بالبرج. فمر بهم الفرسان الخارجون من مربلة وكانوا اثني عشر، فقتل النصارى أحدهم وفر واحد، وأسر العشرة، وقتل معهم رجل حوات، وهو الذي وجدت قفته مطروحة بالأرض. وأشار علي ذلك القائد بالمبيت في موضعه، ليوصلني منه إلى مالقة. فبت بحصن الرابطة المنسوبة إلى سهيل، والأجفان المذكورة مرساة عليه، وركب معي بالغد.

فوصلنا إلى مدينة مالقة، إحدى قواعد الأندلس وبلادها الحسان، جامعة بين مرافق البر والبحر، كثيرة الخيرات والفواكه. رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير، ورمانها المرسي الياقوتي لا نظير له في الدنيا. وأما التين واللوز فيجلبان منها ومن أحوازها إلى بلاد المشرق والمغرب. وبمالقة يصنع الفخار المذهب العجيب ويجلب منها إلى أقاصي البلاد. ومسجدها كبير الساحة شهير البركة، وصحنه لا نظير له في الحسن، فيه أشجار النارنج البعيدة. ولما دخلت مالقة وجدت قاضيها الخطيب الفاضل أبا عبد الله ابن خطيبها الفاضل أبي جعفر بن خطيبها ولي الله تعالى أبو عبد الله الطنجالي، قاعداً بالجامع الأعظم، ومعه الفقهاء ووجوه الناس يجمعون مالاً برسم فداء الأساري الذي تقدم ذكرهم. فقلت له: “الحمد لله الذي عافاني ولم يجعلني منهم”، وأخبرته بما اتفق لي بعدهم. فعجب من ذلك، وبعث إلي بالضيافة رحمه الله. وأضافني أيضا خطيبها أبو عبد الله الساحلي المعروف بالعم.

ثم سافرت منها إلى مدينه بلش، وبينهما أربعة وعشرون ميلاً، وهي مدينه حسنة، بها مسجد عجيب، وفيها الأعناب والفواكه والتين كمثل ما بمالقة. ثم سافرنا منها إلى الحمة، وهي بلدة صغيرة، لها مسجد بديع الوضع عجيب البناء. وبها العين الحارة على ضفة واديها، وبينها وبين البلد ميل أو نحوه، وهنالك بيت لاستحمام الرجال وبيت لاستحمام النساء.

ثم سافرت منها إلى غرناطة، قاعدة بلاد الأندلس وعروس مدنها. وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلاً يخترقه نهر شنيل المشهور وسواه من الأنهار الكثيرة، والبساتين والجنات والرياض والقصور والكروم محدقة بها من كل جهة. ومن عجيب مواضعها عين الدمع، وهو جبل فيه الرياض والبساتين لا مثل له بسواها.

رحلة ابن بطوطة،

تحقيق طلال حرب،

منشورات دار الكتب العلمية، بيروت.