لعلنا سنستنتج من ظروف انتقال الأندلسيين إلى المغرب، ومن الوضعية التي وجدوا عليها هذا الأخير، ما يمكن أن يشكله هذا العنصر من تأثيرات، في مختلف مجالات الحياة على امتداد العصرين الوسيط والحديث.

- على المستوى السياسي، ونظراً  للصراعات السياسية التي كان يعرفها المغرب آنذاك، حاول السلاطين الذين تعاقبوا على حكمه المغرب الاستفادة من خدمات الأندلسيين على الصعيدين الداخلي أو الخارجي ، وهنا تورد المصادر الأدوار الهامة التي لعبوها في الجهاد ضد الإيبيريين، أو مشاركتهم في فتح السودان على عهد المنصور السعدي ، وكذلك صراعاتهم مع أطراف داخلية مثل العياشي  أوعلاقاتهم مع الدلائيين، ولا ننسى كذلك محاولاتهم خلق تكتلات سياسية خاصة بهم، وما تبع ذلك من أحداث وتحولات جعلت تأثيراتهم تصل إلى عصرنا الحاضر.

- في الميدان الفلاحي نجدهم يساهمون في تطوير بعض تقنيات الري بالمغرب، وقاموا بتركيب عدة نواعير خاصة في مدينة فاس، وفي مراكش قاموا بمد قنوات المياه انطلاقا من وادي تانسيفت، كما قاموا باستغلال العديد من الضيعات الممنوحة لهم من طرف الدولة، واشتهروا بزراعة أشجار الزيتون وزراعة دودة القز وتطوير إنتاج الخضر والفواكه ، دون أن ننسى تأليفهم لعدد من الكتب القيمة التي تخص الميدان الفلاحي ، كتلك التي تنسب لابن بصال و ابن وافد و ليون التجيبي .

- في الميدانين  الصناعي والاجتماعي حمل الاندلسيون معهم مجموعة من الصنائع التي طوروها بالمغرب ، إذ كانت لهم تقنيات خاصة في دبغ الجلود و صناعة الحرير والصوف، كما تشير بعض المصادر إلى أن أغلب صناع الأقمشة بفاس كانوا  أندلسيين ، وأشارت أيضاً إلى أن لباس المرأة  بفاس هو تقريباً نفس لباس المرأة غرناطة. ومن جملة ما حمله الأندلسيون كذلك معهم إلى المغرب ما يسمى بصندوق العروس  الذي يعتبر كذلك من التقاليد المتجذرة في المدن التي عرفت هجرات أندلسية كبيرة مثل تطوان والرباط، وكان يصنع من خشب العرعر الصلب في هيكل غاية في الكبر، لتجمع فيه العروس رياشها ولباسها.

اجتماعيا يلاحظ أن الأندلسيين أدخلوا معهم عدة عادات وتقاليد إلى المغرب، وقد كانوا يتميزون في الفترات الأولى لوصولهم إلى بعدم الإختلاط كثيراً مع المغاربة، وكذلك عدم زواجهم من غير الأندلسيين إلا في حالات قليلة، وارتداءهم للون الأبيض في المآتم والصيف، وفي هذا الإطار يذكر أن الأندلسيين حملوا معهم عدة أزياء إلى المغرب، مثل السلهام و البلغة والبدعية والمضمة و الكرزية والشاشية والبنيقة والبرنيطة.

- بالنسبة للفنون فالطرب الأندلسي والطرب الغرناطي يعتبران في طليعة الفنون الأندلسية التي ذاع صيتها في المغرب، والتي لازالت إلى يومنا هذا تحتل مكانة هامة في الذوق الموسيقي المغربي، وهما نوعان من الطرب ينتميان إلى مدرستين فنيتين ظهرت الأولى في إشبيلية والثانية في غرناطة

- في مجال العمارة، يبدو طراز البناء الأندلسي واضحاً في العمران المغربي وبعض فنونه كالنقش على الحجر والجبس والفسيفساء، وكذلك الشكل العمراني للبيوتات .

-وفي الصناعات المعدنية نجد براعة الاندلسيين ماثلة في صناعة الاسلحة والذخيرة وبعض أشكال التزيين. ولم يكتفي الأندلسيون فقط بحمل صناعاتهم إلى المغرب بل حملوا معهم أيضا تنظيماتهم الحرفية الممثلة في الطوائف الحرفية التي تسمى اليوم بالنقابات .

-على الصعيد الدبلوماسي سجل للأندلسيين منافستهم لليهود في لعب هذا الدور بالمجتمع المغربي، من خلال إرسالهم في سفارات من طرف سلاطين المغرب إلى الدول الأجنبية، مثل التي قام بها محمد بنيكاس إلى هولندا سنة 1629 م ، والتي قام بها  محمد بن عبد الوهاب الغساني الأندلسي إلى إسبانيا سنة 1690م.

- في الميدان العلمي كانت مساهمة الجالية الأندلسية بالمغرب ذات أهمية كبيرة، حيث برزوا في ميدان العلوم التجريبية والترجمة، وبفضلهم دخلت عدة مصطلحات تقنية إلى اللغة العربية، وبرزوا في العلوم التجريبية كالطب والصيدلة. وقد قرب الملوك السعديون الأطباء الأندلسيين وشجعوهم على تطوير بحوثهم وتأليف مؤلفاتهم، وبرز الأندلسيون أيضا في علومي الفلك والهندسة وظلوا لمدة طويلة أساتذة تلك العلوم بالمغرب.

إن المتأمل للوجود الأندلسي في المغرب سيخلص لا محالة إلى أن تأثيره كان كبيراً على مختلف المستويات ، وبقدر ما كان المجتمع المغربي يزخر بالعديد من العناصر البشرية التي وفدت إليه بحكم الظروف التاريخية والموقع الجغرافي، بقدر ما استطاع الأندلسيون رغم ظروف وفادتهم الصعبة، أن يجعلوا لهم موطئ قدم في المجتمع المغربي، وانصهروا فيه لدرجة أصبحت معها جل مجالات الحياة المغربية تحمل طابعا أندلسيا .

المراجع المعتمدة

- رزوق، محمد،” الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16 و 17 “

منشورات إفريقيا الشرق ، الطبعة الثالثة ، منشورات إفريقيا الشرق ، 1998 .

- مؤنس ، حسين”، معالم تاريخ المغرب و الأندلس “، مؤسسة المعارف ، بيروت ، 1980 .

- محمد الطالب ، أبي عبد الله”،  رياض الورد فيما انتمى إليه هذا الجوهر الفرد”، تحقيق جعفر بن الحاج السلمي ، مؤسسة الكاتب العربي ، دمشق ، 1993 .

- الوزان ، الحسن”،  وصف إفريقيا ” الجزء الأول .

الأستاذ سعيد الحاجي