لم يستعمل سكان شبه الجزيرة الإيبيرية المسلمين في العصر الوسيط سوى لفظ “أندلسي” لتسمية كل ما يتعلق بالجزء الذي دخل في الإسلام من إسبانيا القديمة الرومانية أو القوطية. ثم إن المنطقة نفسها لم تذكر بغير اسم الأندلس الذي يفترض أنه آت من اسم شعوب “الوندال” التي احتلت في حقبة من الزمن بلاداً ناطقة بالإسبانية والرومانية في عهد الغزوات الجرمانية. ومهما يكن المصدر الحقيقي لاسم المكان هذا، فإن المحقق هو أن الفاتحين العرب استخدموه دون غيره وفضلوه على “هسبانيا” أو “سبانيا” أو كما يلفظونه “إشبانيا” وهو ما كانوا يعرفونه جيداً، والذي كان ممكناً أن يستخدموه بالطريقة نفسها التي استخدموا بها كلمة إفريقية ليدلوا بها على منطقة إفريقيا التي عُربت في المغرب، بل إنه من المستحيل أن نتذرع بضرورة تمييز المنطقة التي دخلت في الإسلام عن مجموع شبه الجزيرة التي أفلت جزؤها الشمالي بسرعة من ربقة الدين الجديد ومن سلطة قرطبة، باستخدام اسم جديد قد يكون مستعاراً من المتداول المحلي للشعوب التي تعيش على هذا الساحل لمضيق جبل طارق أو على الساحل الآخر. وعلى كل حال، فإن هذه التسمية تقطع الصلة بكل ما سبق، لأن كلمة الأندلس ظهرت مرادفة منذ زمن مبكر جداً لكلمة هسبانيا بالضبط من حيث الديار التي تدل عليها.

وقد كانت أولى القطع النقدية الإسلامية المسكوكة في إسبانيا في السنوات الأولى للفتح، وذلك قبل أن يأخذ خروج مملكة أستورياس عن الأمر بعض الخطورة، وفي الوقت الذي كانت تظهر فيه السيطرة الإسلامية قادرة على الانتشار شبه التام إلى عموم شبه الجزيرة، بل إلى أن تتعداه في اتجاه غالة، كانت هذه القطعة النقدية مكتوبة باللاتينية أولاً عام 93هـ/ 711 – 712م وكذلك عام 94 هـ 712 – 713م، ثم أصبحت بلغتين عام 98 هـ/ 716م، وأخيراً أصبحت بالعربية ابتداءاً من 102 هـ/ 720- 721م. ويظهر الاسمان المتنازعان في الكتابة المزدوجة اللغة، “سبانيا” في النص اللاتيني و”الأندلس” بالعربية ليدلا على الواقع نفسه. ثم تغلبت الأخيرة بعد ذلك بصفة نهائية. فقد اختار العرب والبربر أصحاب السلطان بوعي، أو بدون وعي، الاسم الجديد لهذه المنطقة غداة فتحها ليدلّوا به على الانقطاع عن الماضي. هذا الواقع الذي جعل استخدام التسمية الجديدة يسود بصفة طبيعية ويقر عن رضى، دون أن يكون حجة على انقطاع الاتصال بين هيسبانيا الرومانية والقوطية والأندلس العربية الإسلامية، هو على الأقل دليل على الانقطاع الجذري الذي قام بصفة فورية في الذهن الجماعي للسكان بين ما سوف يعرف في ما بعد بإسبانيا المسلمة وبين هيسبانيا العهد السابق.

الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، الجزء الثاني، بيير غيشار، تنسيق سلمى الخضراء الجيوسي، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999