استعملت الدولة الأموية في الأندلس رعاياها من أهل الذمة في تولي الوظائف السياسية والإدارية، وأوكلت لهم العديد من السؤوليات الهامة، وذلك بهدف ادماجهم في الحياة العامة، وتحسيسهم بقوة الانتماء الى المجتمع والدولة، بغض النظر عن الديانة التي يعتقدونها، وتجاوز الحكام -أحيانا- الضوابط الشرعية، التي تشكل قيوداً أمام توليهم شؤون المسلمينوكان لابد من اشراك هؤلاء في ادارة الدولة، التي دأبت على الاستعانة بهم في وظائفها، من أجل أن تسود قيم التسامح وروح التفاهم وسط مجتمع شديد الاختلافوجدير بالذكر أن الماوردي قد أجاز تقليد أهل الذمة وزارة التنفيذ، وهي التي يتولى صاحبها تنفيذ اوامر الامام.لقد بدأت علائق التعاون بين المسلمين وأهل الذمة تتشكل منذ وقت مبكر، من ذلك استعانة الأمير عبد الرحمن الداخل بن معاوية بأرطباس بن غيطشة في خدمته، وكان هذا الأخير الى جانبه دائماً، وحتى في غزواته .

وفي عهد الحكم الربضي نجد القومس ربيع بن تدلف (متولي شؤون النصارى) الذي عمل في مجالات عدة، لعل من أهمها وأخطرها تحصيل الضرائب من المسلمين، كما تولى -أيضا- مهمة هدم منازل ومساجد أهل الربض، بعد قمع ثورتهم الشهيرة في قرطبة سنة 817م. على أن أشهر من استخدم من أهل الذمة في عصر الإمارة هو قومس بن أنتنيان، الذي ساعد عبد الله بن أمية في الكتابة للأمير محمد بن عبد الرحمان، وعندما أصابت عبد الله هذا علة منعته من مزاولة عمله، كلف قومس بن أنتنيان بالخدم مكانه، وخلفه في الكتابة.وقد أشار بروفنسال إلى أن الأمير محمداً وخلفاءه من بعده استمروا في تقديم أمناء يدينون بالمسيحية في المناصب الإدارية، والذين سرعان ما انضم إليهم عدد من المحاسبين والوكلاء اليهود.ولابد من الاشارة هنا إلى أن إقدام الحكام الأمويين على إشراك أهل الذمة في تسيير شؤون المسلمين، إنما هو محاولة منهم لفهم الواقع المحلي، وخصوصية المجتمع والبيئة الأندلسية، والتعبير عنه بهذا الشكل من التسامح، رغم ما في الأمر من تجاوز للقيود الشرعية. لم يتردد الخليفة الناصر لدين الله في إشراك أهل الذمة في الحكم، من ذلك أنه أسند ولاية مدينة أبدة إلى عريف من العجم، بعد أن استرجعها، وكذلك فعل بإستجه التي ولى عليها حمدون بن بسيل النصراني، وكان عامل ببشتر –أيضا- من النصارى المعاهدين.ويعترف كاجيكاس بالدور الذي قام به هذا الخليفة الأموي في إشراك النصارى في تسيير شؤون العدوة الأندلسية، وتحويلهم إلى عناصر فعالة من أجل ضمان التعايش السلمي بين قوميات متباعدة ثقافياً ودينياً.وبفعل هذه السياسة وصل أهل الذمة من مسيحيين ويهود إلى مراكز اجتماعية عليا في مرحلة الخلافة؛ حيث عينوا في مناصب المسؤولية والثقة؛ مثل دواوين الخلفاء.ويخبرنا ابن جلجل الأندلسي عن مستوى الثقة التي حظي بها أهل الذمة على عهد الخلافة، وما تبوؤوه من المناصب والمسؤوليات الكبيرة؛ إذ قال في معرض حديثه عن الطبيب يحيى بن إسحاق النصراني: “إن الناصر (استوزره) وولي الولايات والعمالات، وكان قائد بطليوس زمانا، وكان له من أمير المؤمنين الناصر محل كبير، ينزل منزل الثقة، ويتطلع على الكرائم والحرم”.

محمد الأمين ولد آن (بتصرف)،

منشورات دار الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعة، دمشق 2014