من أهم المظاهر الحضارية في الأندلس هناك الطبيخ، وقد زخر المطبخ الأندلسي بأصناف من الأطعمة لا زالت إلى اليوم قاسماً مشتركاً بين العرب والإسبان. وعلى غرار بقية المجالات التي تعكس مسار المجتمع الأندلسي، ألف الأندلسيون في فن الطبيخ. ومن المصادر التي وصلتنا في هذا المجال، كتاب “أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة”[1]، لمؤلف مجهول عاش في القرن الثاني عشر الميلادي. وكما يظهر من العنوان ، لم يحرص المؤلف فقط على وصف أشهر أنواع الأطعمة، بل تحدث عن فوائدها  بالنسبة لجسم الإنسان، وكان تحضيرها في الكثير من الحالات، يتم اعتماداً على الأعشاب الطبية. وتعميماً للفائدة، نورد نموذجاً من أشهر الوجبات الأندلسية في ذلك العصر، كما وردت في الكتاب، مع طريقة تحضيرها.

1ـ المخلل في قرطبة وإشبيلية

“يؤخذ من اللحم البقري السمين، أو غنمي سمين، ويقطع قطعًا صغاراً، ويجعل في قدر، جديدة بملح وفلفل وكزبرة يابسة، وكمون وزعفران كثير، وثوم مقشر مقطع، ولوز مقشر مقسوم، وزيت كثير، ويُغمر بالخل الثقيف الخالص جدًا، ولا سبيل لشيء من الماء، ويرفع على نار فحم معتدلة، ويحرك إذا غلى، فإذا نضج وانحل اللحم وقل ماؤه حينئذ ينزل على الرضف، ويخمر ببيض كثير، وقرفة وسنبل، ويصبغ بزعفران كثير صبغًا يرضى، ويجعل فيه من محاح البيض صحاحا، ويترك على الرضف حتى يعقد، ويجف مرقه، ويظهر دسمه. هذا اللون يبقى أيامًا كثيرة لا يتغير، ولا يفسد، يسمى في بلاد الغرب طعام العرس، وهو واحد من السبعة الألوان المذكورة المستعملة عندنا في الولائم بقرطبة وإشبيلية” .

2ـ الشواء الأندلسي

“يؤخذ من اللحم الفتي السمين، ويشرح بسكين قاطع تشريحًا رقيقًا، ويكون اللحم مخالطًا بالشحم دون عظم من المواضع الرخصة:  لحم السن والورك وما أشبهه، ويجعل في غضار، ويصب عليه قدر الحاجة من المري النقيع، والخل والزعتر والفلفل والثوم المدقوق، ويسير زيت، ويضرب الجميع، وتمرغ في الشرائح، ثم تنظم في سفود نظما لا تكون متداخلة  لكي تمكنها النار، ويدار السفود بها على نار فحم إدارة دائمة حتى تنضج وتحمر، وتدهن بتلك المرقة مهما جفت حتى تستوي، ثم تنثر في هذه المرقة، أو في صناب معمول قد صنع، ويستعمل فهي مقوية زائدة في الدم، إلا أنها عسرة الهضم بطيئة النزول” .

3ـ شواء في الطاجين

يؤخذ الجنب كما هو من كبش فتي سمين، ويوضع في طاجن كبير قدر ما يحمله، ويدخل الفرن ويترك فيه حتى يحمر أعلاه، ثم يخرج ويقلب، ويرد  للفرن ثانية حتى ينضج ويحمر من الجانبين، حينئذ يخرج ويرش بملح مسحوق مع فلفل وقرفة، فإنه غاية، وهو أبدع ما يكون من الشواء، فإن دسمه ورطوبته باقية في قعر الطنجير لم يذهب منها شيء في النار مثل شَوى السفود والتنور”.

4ـ  الدجاج المشوي في الفرن

“يؤخذ من الدجاج الفتية السمان، وتنظف وتسلق في قدر بماء وملح وأبزار مثل التفايا، ثم تخرج من القدر، وتصب مرقتها مع دسمها في صحفة، ويضاف إليه ما ذكر في شوي الجمر، وتمرغ فيه الدجاجة المسلوقة، ثم تحكم في سفود، وتدار على نار فحم معتدلة بحركة دائمة، وتدهن دائما حتى تنضج وتحمر، ثم تنثر في ما بقي من المرقة وتستعمل، وغذاؤها ألطف من لحم الماشية وأعدل؛ وكذلك تسوى سائر الطيور”.

5ـ وصفة الدجاجة المدهونة

“تؤخذ دجاجة منظفة تترك صحيحة، ويشرح صدرها، وتثقب بعود من كل جانب، وتدهن بزيت ومري نقيع، وفلفل وزعفران وقرفة وقرنفل وسنبل وزنجبيل، يدهن بذلك ظاهرها وباطنها، ثم تجعل في قدر، ويصب عليها بقية الزيت والمري، ويكب على القدر غطاء موصول، ويدخل الفرن، ويترك حتى تنضج الدجاجة، وتخرج وتستعمل، فهي عجينة”.

6ـ وصفة الدجاجة المقلية

“تفصل الدجاجة من كل عضو اثنين، وتقلى في مقلاة بزيت عذب كثير، ثم يؤخذ قدر ويوضع فيه أربع مغارف خل، ومغرفتان مرى نقيع، ومثله من الزيت، وفلفل وكزبرة وكمون ويسير ثوم وزعفران، ويرفع القدر على النار، فإذا غلى جعل فيه الدجاجة المقلوة المذكورة، فإذا استوى نضجها حينئذ تفرغ وتقدم” .

7ـ وصفة الجلالبية

تؤخذ دجاجة منظفة ويزال عنقها، (وتترك صحيحة وتترك) تفايا بيضاء، فإذا نضجت أخرجت من القدر، وتركت بناحية حتى تجف، ثم يؤخذ من السكر الأبيض قدر ثلاثة أرطال، وتحل بماء الورد، ويطبخ منه في طنجير شراب جلاب، ويفوه بسنبل والدار صيني وقرنفل وزنجبيل، فإذا عقد فتق بشىء من مسك وكافور محلول (في ماء) الورد الطيب، ثم تجعل فيه الدجاجة المذكورة وتغمس، حتى يمتلئ جوفها بالجلاب ويعقد عليها، ثم ينزل الطنجير، ويترك حتى ينعقد السكر المجلب على جوانب الدجاجة، وتصير مستديرة كأنها أترجة، فإذا كملت على هذه الصفة جعلت في (آنية) دمشقية وقدمت في الكوامل”.

8ـ وثفة الكبش محشى الجوف

“يؤخذ كبش سمين مسلوخ، يفتح جوفه بين أفخاذه فتحًا ضيقًا ويخرج حشوه، وينظف، ثم يؤخذ ما أمكن من الدجاج السمان وفراخ الحمام واليمام والعصافير، ويخرج ما في أجوافها وتنظف، وتشق صدورها، ويطبخ كل نوع منها على حدة، ثم يلقى بزيت كثير وتترك بناحية، ثم يؤخذ ما بقى من أمراقها، ويضاف إليه من فتات خبز الدرمك المحكوك، ويفقص عليه من البيض الكفاية، وفلفل وزعفران وقرفة وكزبرة يابسة وسنبل وزنجبيل ولوز مقسوم ومدقوق، وزيت كثير، ويضرب الجميع، وتملأ به أجواف الطيور المقلوة، وتجعل في جوف الكبش واحدًا بعد واحد حتى يكمل، ويصب عليها بقية الحشو من البنادق المطبوخة، ومن المركاس المقلي، ومحاح البيض صحاحا، فإذا كمل حينئذ يخاط الموضع الذي أدخلت منه، ويطلى ظاهر الكبش وباطنه بمرقة صنعت من المري النقيع والزيت والصعتر، ويدخل كما هو في تنور محمي، ويترك ساعة، ثم يخرج ويعاد بالطلي بالمرقة، ثم يعاد للتنور، ويترك حتى يتم نضجه ويحمر، ثم يخرج ويقدم”.

9ـ خروف مشوى

يؤخذ خروف مسلوخ ينقى جوفه كما تقدم، وتجمع أحشاؤه بعد تنظيفها، تلوى بالشحم، وتلف بالمصران الرقيق، ثم يملأ جوف الخروف بعصافير  وزرازير مقلوة محشوة كما وصف في المقدم، ويخلط، ويوضع في طاجين كبير يسعه ، ويصب عليه مرقة مثل ما تقدم، ومن ماء الكزبرة والزيت، ويدخل الفرن، ويترك حتى ينضج، ويخرج ويقدم”.

10ـ عجل مشوي

“يؤخذ كبش فتي سمين مسلوخ منظف، يفتح بين فخذيه فتحا ضيقا، ويخرج جميع ما في جوفه من أحشائه برفق، ثم يدخل في جوفه إوزة مشوية، وفي جوف الإوزة دجاجة مشوية، وفي جوف الدجاجة فرخ حمام مشوي، وفي جوف الفرخ زرزور مشوي، وفي جوفه عصفور مشوي، أو مقلو، كل ذلك مشوية مدهونة بالمرقة الموصوفة للشواء، ويخاط ذلك الفتح، ويدخل الكبش في التنور المحمي، ويترك حتى ينضج ويحمر، ويطلى بتلك المرقة، ثم يدخل في جوف عجل قد أُعِدَّ منظف، ويخاط عليه، ويجعل في تنور محمي، ويترك فيه حتى ينضج ويحمر، ثم يخرج ويقدم”.

11ـ وصفة أرنب مشوي

“يؤخذ أرنب مسلوخ منظف يغلى غلية خفيفة بماء وملح، ويهرق عنه ماؤه، وينشب في سفود، وتدار به على نار فحم معتدلة، ثم يدهن بزبد طري مرة، فإذا نضج لحمه خلع من مفاصله وقطع في صحفة، وصب عليه مرقة من خل، ويسير مري نقيع وزنجبيل وصعتر وكمون، وزيت ويسير ثوم مدقوق، يغلى جميع ذلك ويصب عليه؛ وإنما دهن بالزبد الطري وقت شيه ليعدل يبس مزاجه، وإن دهن بدهن اللوز الحلو كان جيدا”.

12ـ وصفة  عصافير مصنوعة  من لحم الغنم

“يقطع من بضع اللحم بضيعات صغار كهيئة العصافير، وتدخل في سفود، وتشوى، أو تقلى في مقلاة بزيت كثير حتى تنضج، وتترك بناحية، ثم يؤخذ قدر، ويجعل فيه ثلاث مغارف خل، ومغرفة من المري النقيع، ومغرفتين من الزيت العذب، وفلفل وكمون، وشيء من زعفران، ويرفع القدر على النار، فإذا غلى، جعل فيه تلك العصافير المصنوعة المقلوة المذكورة، وتترك ساعة تغلى، وتنزل .وتقدم ؛ وقد تصنع هذه العصافير مصورة من اللحم المدقوق بعد ما يضاف إليه من التوابل، ويصور منه شبه عصافير، أو زرازير وغير ذلك من أنواع الطير، ويقلى مثل ما تقدم”.

13ـ وصفة الأمخاخ

هذا يراد من صفته أن يؤلف منه ما يشاكل مطعمه ومذاقه طعم الأمخاخ، لأن كثيرًا من الملوك والرؤساء يحب أن يأكل منها، ويجعلها جل غذائه، ولو اقتصر الإنسان على ما يجمع له من مطبخه من أمخاخ ما يذبح ما حصل له منه ما يبلغ به إلى إرادته وقضاء شهوته، والمخ من الأغذية المحبوبة المشتهاة. ومن المستحسن في أكل المخ، أن من سبق إليه، فأخرجه على المائدة أن لا يذوقه حتى يبدأ بإطعامه لصاحب المائدة، وأن لا يذوق منه شيئا حتى يطعمه لصديقه وحبيبه والمطعم عنده. ولقد سمعت أن بعض الملوك قلد بعض أتباعه عملا جليلا، وأنه دخل ليودع الملك ويسير، وقدمت المائدة وأحضرت، فلما مضى صدر من الطعام، حضر لون كان فيه عضو فيه مخ، فأخذه ذلك الإنسان واستخرجه، والملك مراع لفعله، وهو لايشك أنه يدفعه إليه، فلما استخرجه وضعه على لقمة، وذر عليه ملحا وأكلها، وأسرها الملك له، ثم إن المائدة رفعت وغسل الملك يده، وقام يودع الملك ويسير، فقال له الملك:  بيني وبينك شيء أحتاج أن أوقفك عليه بعد هذا الوقت. فانصرف إلى داره، ولم يخرج إلى العمل. فقيل للملك في ذلك، فقال : لا يكفيه أن يأكل في العمل في السنة بخمسة آلاف درهم أمخاخ !”

14ـ وصفة البط المشوي

وهو البط العريض المنقار أدكن اللون، وهو يسرع إليه السمن جدا فلا يصلح (إلا) أن يشوى. وهكذا فبعد ما يذبح يعلق ليلة  من رجله ، فإذا من غد ينظف ويغسل ويترك بناحية، ثم يؤخذ ملح مسحوق بصعتر وفلفل وزيت وكزبرة حتى يصير (مثل) العسل الرقيق، ويطلى به جسمه باطنا وظاهرا، ويدلى في التنور، فإذا خرج طيب بمرقه إن شئت”.

15ـ  المخثرات والمخمرات:  وصفة الزيرباجة

“هو لون معتدل المزاج، غذاؤه محمود، صالح للمعدة والكبد، قد اجتمع فيه منافع السكباجة (والسلامة) من المضار، ومن فضائلها ما أخبر به شيوخ  بغداد ممن لحق حنين بن إسحاق، قال: كنت أساير حنينا يوما من الأيام حتى لقيه رجل من الناس، فقال: يا هذا جئتني فوصفت حال عليلة عندك، ثم لم أرك، فما السبب في تأخرك ولم أزل مراعيا لك؟ قال:  جئتك يا سيدي فوصفت لك علة بوالدتي، وأشرت بإطعامها الزيرباجة فالتزمتها إياها، فبرئت علتها، فلم أحب أن أعاود عليك وأشغل قلبك، أحسن الله جزاءك ! قال حنين: هو لون معتدل وهو سكنجبين الألوان. وقال بعضهم : هي تفاحة المطبخ ما لها مضرة أصلا” .

وصفتها:

“تؤخذ دجاجة سمينة تنظف وتجعل في قدر بملح يسير وفلفل وكزبرة يابسة وقرفة وزعفران، ومن الزيت الحلو والخل قدر الكفاية، وترفع على نار معتدلة، فإذا نضج لحم الدجاجة يؤخذ من اللوز المقشر المدقوق، ومن السكر الأبيض الطيب من كل واحد أربعة أوراق تحل بماء الورد، ويصب في القدر، ويترك يغلى، ثم ينزل على الرضف حتى (يعلو) دسمه. وهو أفضل الغذاء صالح لكل مزاج يصنع هذا اللون من الدجاجة، أو فراخ الحمام واليمام ومن لحم الضأن الفتي” .

16ـ وصفة المركاس

و في غذائه مثل البنادق، سريع الهضم، فإن الدق ينضجه ويفيده سرعة الهضم وهو حسن الغذاء. يؤخذ من لحم الفخذ، أو السن من الضأن ويدق حتى يصير مثل البنادق، ويعرك في قصعة بشيء من الزيت، ويسير من المري النقيع، وفلفل وكزبرة يابسة، وسنبل وقرفة، ثم يضاف إليه قدر ثلاثة أرباعه من الشحم، ولا يكون الشحم مدقوقًا، فإنه يذوب بالطبخ، بل يكون مقطعًا بالسكين، أو مضروبًا على اللوح، ويعرك الجميع حتى يمتزج، ويحشى به المصران  المغسول المجري بالخيط بآلاته المصنوعة لحشيه، وَيصوَّر صغارًا، أو كبارًا، ثم يقلى في مقلاة بزيت عذب، فإذا نضج واحمر صُنِع له مرقة من خل وزيت، ويستعمل سخنًا. ومن الناس من يعمل مرقة بماء الكزبرة الرطبة والنعنع ويسير من ماء بصلة مدقوقة، ومنهم من يطبخه في القدر بالزيت والخل، ومنهم من يعمله بالبصل والزيت الكثير حتى يتقلى ويحمر، وهو طيب شهي على أي وجه صنع” .

[1] – تحقيق الدكتور عبدالغني ابو العزم، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الرباط، 2003