استقرت خلال القرن السابع عشر جالية أندلسية مهمة بسلا، ودخلت على الفور في طاعة مولاي زيدان الذي كان يقدر إمكانياتها المادية والحربية، سواء للجهاد أو لمحاربة منافسيه داخليا. وجعلها تتمتع بنفس امتيازات أعيان المنطقة، وترك لها عشر الغنائم، بل كان يفكر دائما في إعطائها مناصب قيادية. وقد استقرت بعد ذلك في القصبة تحت سلطة قائد سعدي، فأصلح الهورناتشيون الأسوار وأعادوا بناء المنازل المهدمة، فأصبحت القصبة التي كانت شبه مخربة “كمدينة صغيرة”. ولإشباع رغبتهم في السيطرة وكذا لتعزيز قوتهم في نفس الوقت، فإنهم استدعوا الأندلسيين المنفيين في باقي أجزاء المغرب العربي، وذهبوا إلى حد تسديد مصاريف نقلهم، وجعلوهم يستقرون بالقرب من القصبة، إذ انبعثت مدينة الرباط الأندلسية داخل السور الموحدي القديم. وقد اصطدم هذا الطموح بسلطة الوصاية التي كان يفرضها زيدان، إذ أمر هذا الأخير قائده على القصبة عبد العزيز الزعروري باغتيال العياشي أو القبض عليه، ففاوض في ذلك شيوخ الأندلسيين وأعيانهم. لكن الأندلسيين فضلوا البقاء بجانب المجاهد وحمايته من أية مؤامرة تحاك ضده.

         واصطدم الأندلسيون مع زيدان للمرة الثانية عندما بعث لقائده السالف الذكر بأن يبعث له بالمزيد من الأندلسيين لإخماد فتنة وقعت بدرعة. لكن أندلسيي القصبة رفضوا هذا العرض، خاصة أنهم يعلمون المصير الذي آل إليه 400 من مواطنيهم “إذ طالت غيبتهم بها (الصحراء) فهرب أكثرهم”، وعزموا على التخلص من الزعروري بالوشاية له عند السلطان، فبعث هذا الأخير بمن يقبض عليه (سنة 1625)، لكن مصيره لم يكن أحسن من مصير سابقه، فلم يعتنوا به، وصاروا يستهزؤون منه إلى أن قتل. كما طردوا جميع القادة السعديين، وجردوا المغاربة من سلاحهم وأرغموهم على الهجرة، فكانت بذلك مؤامرة فعلية محبوكة ضد السعديين.

         ولم يكن العياشي بعيدا عن هذه الأحداث، فقد كتب إليه الملك شارل الأول الانجليزي رسالة في 12 أكتوبر 1627 يهنئه فيها على المساعدة التي قدمها للأندلسيين في هذه الثورة. وقد ذكر الأب Dan أن زيدان حاول إرغام الأندلسيين الدخول في طاعته فأرسل إليهم محلة قوية لمحاصرة المدينة، لكن ظل هذا الحصار بدون نتائج مشجعة (نتيجة مساعدة العياشي للأندلسيين). وانتهى هذا الحصار بعقد اتفاق بين الطرفين يصبح بمقتضاه الأندلسيون هم سادة المدينة والقصبة، ويلتزمون بالمقابل بتقديم عدد من الأسرى في كل سنة إلى السلطان، كما قبلوا بوجود موظفين مكلفين بالفصل في المنازعات وتطبيق العدالة.

         هكذا تكونت، إذن ثلاث “جمهوريات”: الهورناتشيون بالقصبة وهي مقر الحكم، والأندلسيون الآخرون، وجمهورية ثالثة بسلا. وشرع الأندلسيون في تنظيم أنفسهم – على غرار ما كانوا عليه بإسبانيا – فالسلطة أصبحت بيد حاكم أو قائد ينتخب لمدة سنة من قبل “ديوان” مكون من 16 عضوا وهذا الديوان، لا يهتم إلا بالقضايا الحربية والدبلوماسية، أما قضايا العدالة فيعين لها من يفصل فيها، والجدير بالذكر أن هذا الديوان لم يكن يمثل فيه إلا الأندلسيين.

الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17، محمد رزوق، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الرابعة،  2014.