لقد حفظ العهد المريني الطابع المغربي لهذا الفن، ولا جرم أن الموسيقى العربية التي انتقلت من الأندلس إلى المغرب لم تكن مجرد أشعار تلحن كيفما اتفق. ومن ثم فقد تدخلت القواعد العلمية في توجيه هذا الفن الذي قدر له أن يكتسح الشمال الإفريقي والعربي كله.

         والمشهور أن زرياب المغني أول من وضع الأصول الأولى لما نسميه الآن بالموسيقى الأندلسية، وكان تلميذا لإسحق الموصلي الذي خشي من منافسته له في بلاط هرون الرشيد، فشجعه على مغادرة العراق مقابل مكافأة سخية، وهكذا طوى زرياب المراحل حتى حط رحاله بالأندلس، وقد نقل إليها الموسيقى العربية التي كانت قد لحقت في الشرق بمؤثرات إغريقية وفارسية، شأن العلوم والآداب التي استمدها العرب أو لحقتها نفس المؤثرات.

         بيد أن هذه الموسيقى دخلها تغيير متوال على يد الأندلسيين أنفسهم سواء في اللحن أو في الشعر، ومن المؤكد أنها مرت بأطوار مختلفة حتى انتهت أخيرا إلى الاستقرار في أواخر العهد المريني، وإن ما طبع الموسيقى الأندلسية بطابعها البرز، لهو الموشحات التي لم تكن معروفة لدى العرب من قبل. ولذا لا نستطيع أن نثبت ما يذكره بروكلمان من أن تعدد أسماء القصيدة وأجزائها إنما هو تقليد للشعر الإسباني، فقد عرف أهل بغداد قبل ظهور الموشحات أنواعا من النظم تختلف من العامية إلى تنوع القافية.

         وقد أجمعت المصادر العربية على أن مخترع الموشحات التي وضعت خصيصا للتلحين، هو مقدم بن معافر، أحد شعراء عبد الله المرواني، وأن العصر الطائفي عرف ازدهارا ملموسا في نظم الموشحات وشيوع الموسيقى. ومن أبرز وشاحي هذا العهد أحمد بن علي المعروف بأعمى طليطلة الذي يقول في إحدى موشحاته:

                   ضاحك عن جمان                 ساخر عن در

                   ضاق عنه الزمان                 وحواه صدري

         ثم أبو البكر الأبيض وأبو بكر بن باجة، وابن بقي يحيى بن عبد الرحمن، ثم أبو بكر بن قزمان الذي اشتهر بالإبداع في فن الزجل بعد أن سبقه آخرون لا نعرفهم. والزجل شعر عامي شبيه بالموشحات التي وضعت أساسا بالعربية، ومما لا ريب فيه أن عامة أهل الأندلس وجدوا في الزجل من حرية النظم ما لم يجدوه في الموشحات. لذلك انتشر الزجل بسهولة في الأندلس، كما انتقل بسرعة إلى المغرب الذي يبدو من كلام ابن خلدون أن أهله فاقوا أهل الأندلس في هذا الفن، ومهما يكن من شيء، فإن الزجل الذي استخدم اللحن على غرار الموشحات، لم يكن بعيدا بدوره من الفصحى. ونجد في هذا الفن الشعبي كلمات دارجة ما تزال تستعمل حتى الآن في المغرب.

   ومن الواضح أن فن الموشحات قد انتقل إلى المغرب، وبما أنه صادف عصر المرابطين، فإنه لم يتسع مداه بالمغرب بقدر ما نما وترعرع بالأندلس التي كانت قد اعتادت حياة اللهو والطرب وتعاطى أدباؤها بوفرة فن التوشيح، بينما كانت جدية الحياة بالمغرب أبرز وأشمل، غير أنه يستحيل أن لا تكون الموشحات قد أخذت طريقها الضيق إلى المغرب في هذا العهد، إذ نشاهد عددا كبيرا من الزجالين لمعت أسماؤهم فيما بعد، وقد جاء الزجل مرحلة بعد الموشحات، كما أن المغاربة أحدثوا أنواعا جديدة شبيهة بالموشحات وسموها عروض البلد.

         ولقد انتقلت الموشحات إلى الشرق على يد أشخاص مجهولين لم يكشف البحث حتى الآن أسماءهم، إلا أننا نعلم أن الموشحات الأندلسية قد ازدهرت في عهد الأيوبيين معاصري الموحدين،

وأول وشاح ظهر اسمه حتى الآن هو ابن سناء الملك الذي وضع كتاب (دار الطراز) حيث أثبت فيه موشحاته الخاصة إلى جانب موشحات أندلسية. كما برز في هذا الفن أدباء آخرون بمصر وغيرها من بلاد المشرق كابن نباتة وابن الوكيل وصفي الدين الحلي والقاسم الواسطي وغيرهم.

         بل إن الموشحات تجاوز أثرها المشرق إلى أوروبا عن طريق التروبادور والموريسكيين ولا يزال أثر التلحين بارزا في الموسيقى الكنسية الكريكورية حتى الآن وكل من الموسيقى الأندلسية والكريكورية يرجع إلى أصول إغريقية قديمة.

         ولقد أصبحت الموسيقى الأندلسية منذ عهد المرينيين ثم فيما بعدهم تتطعم بمؤثرات مغربية في بلاد المغرب، كما أدخلت عليها تعديلات وزيادات هامة لم تفقدها على كل حال إطارها الأصلي.

         وإذا كانت الموشحات قد ركد سوقها في المغرب أيام الموحدين، بل وحتى في الأندلس، وذلك لطغيان الزجل وانتشاره فإن ابن الخطيب وتلميذه ابن زمرك قد عملا على إحياء هذا الفن الموسيقى نظما وجمعا. وقد وضع الأول كتابه المعروف (جيش التوشيح) وضمنه موشحات كثيرة وضعها سابقوه.

         وإذا تركنا ناحية النظم جانبا، وهي تتعلم بالأدب وفنونه، فإن تلحين الموشحات يخضع لنظام موسيقى مضبوط وله مصطلحاته الخاصة، التي اختلف بعضها حسب البلاد التي دخلت إليها الموشحات.

         وهكذا فإن الموسيقى الأندلسية تتكون من وحدات أساسية تدعى نوبات، وأصل هذه اللفظة أن الموسيقيين كانوا يتناوبون الغناء حسب تلاحينهم الخاصة، ولكل نوبة طبع أي نغمة معنية كما أن الكل نوبة خمسة ميازين، وقد احتفظ المغرب بإحدى عشرة نوبة أو طبع  وهي: الماية، ورمل الماية، والعشاق، والأصبهان ورصد الديل والاستهلال والحجاز الكبير، وعرق العجم والغريبة، والحجاز المشرقي في الرصد.

         ولكن الميازين نفسها لم يبق منها إلا خمسة، والخامس من ابتكار المغاربة وهو الدرج، والباقي هو البسيط، والقائم ونصف، والبطايحي، والقدام.

         وهكذا يبدأ الجوق أولا بتقديم الآلات ثم يشرع في التوشية وهي قطعة صامتة ذات إيقاع معين، كما ينتقل في الميازين الخمسة على الترتيب السابق الذي ينتهي بالدرج.

         ولكل من هذه الميازين وحدات موسيقية، إما من نوع التواشيح أو الزجل أو الشعر العربي الفصيح المنظوم في أحد البحور العادية. وهذه الوحدات تدعى صنائع، وقد تتعدد كثيرا من حيث اللحن.

         وللطبوع أو النوبات الإحدى عشرة معان خاصة شرحها الأستاذ محمد الفاسي في محاضرة قيمة:

1 – الماية : تدل على الفرقة واصفرار الشمس.

2 – العشاق: تدل على طلوع النهار وتدفق الماء وفصل الربيع.

3 – الأصبهان: الاستعطاف والرحمة.

4 – رصد الذيل: الصبر والاستسلام.

5 – الاستسهال: تذكر الفرقة وهجران الحبيب.

6 – الحجاز الكبير: بلوغ الأماني والشعور بالاطمئنان والسعادة.

7 – عرق العجم: اليأس وانقطاع الأمل.

8 – الغريبة: الحزن والأسى.

9 – الحجاز المشرقي: الرقة واللطف.

10 – الرصد: العزة والإباء.

11 – رمل الماية: في الأصل للتغزل ثم تحول لمدح النبي عليه الصلاة والسلام وما تتمثل فيه صفات السمو والجلال.

    إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، بتصرف، الجزء الثاني، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، 1993.